الغزالي

51

إحياء علوم الدين

فمر بهما رجل كان مخنثا فترك ذلك . فقالا لقد بقي فيه منه شيء وأقيمت الصلاة ، فدخلا ، فصليا مع الناس ، فحاك في أنفسهما ما قالا فأتيا عطاء فسألاه ، فأمرهما أن يعيد الوضوء والصلاة وأمرهما أن يقضيا الصيام إن كانا صائمين . وعن مجاهد ، أنه قال في * ( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ) * « 1 » الهمزة الطعان في الناس ، واللمزة الذي يأكل لحوم الناس . وقال قتادة ، ذكر لنا أن عذاب القبر ثلاثة أثلاث . ثلث من الغيبة ، وثلث من النميمة ، وثلث من البول . وقال الحسن ، والله للغيبة أسرع في دين الرجل المؤمن من الأكلة في الجسد . وقال بعضهم ، أدركنا السلف وهم لا يرون العبادة في الصوم ولا في الصلاة ، ولكن في الكف عن أعراض الناس . وقال ابن عباس ، إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك ، فاذكر عيوبك . وقال أبو هريرة ، يبصر أحدكم القذى في عين أخيه ، ولا يبصر الجذع في عين نفسه . وكان الحسن يقول ، ابن آدم ، إنك لن تصيب حقيقة الإيمان حتى لا تعيب الناس بعيب هو فيك ، وحتى تبدأ بصلاح ذلك العيب ، فتصلحه من نفسك ، فإذا فعلت ذلك ، كان شغلك في خاصة نفسك ، وأحب العباد إلى الله من كان هكذا . وقال مالك بن دينار ، مر عيسى عليه السلام ، ومعه الحواريون ، بجيفة كلب . فقال الحواريون ، ما أنتن ريح هذا الكلب ! فقال عليه الصلاة والسلام ، ما أشد بياض أسنانه . كأنه صلى الله عليه وسلم نهاهم عن غيبة الكلب ونبههم على أنه لا يذكر من شيء من خلق الله إلا أحسنه . وسمع علي بن الحسين رضي الله عنهما رجلا يغتاب آخر ، فقال له إياك والغيبة ، فإنها إدام كلاب الناس وقال عمر رضي الله عنه : عليكم بذكر الله تعالى فإنه شفاء ، وإياكم وذكر الناس فإنه داء نسأل الله حسن التوفيق لطاعته بيان معنى الغيبة وحدودها اعلم أن حد الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه ، سواء ذكرته بنقص في بدنه أو نسبه ، أو في خلقه أو في فعله ، أو في قوله ، أو في دينه ، أو في دنياه ، حتى في ثوبه ، وداره ، ودابته أما البدن ، فكذكرك العمش ، والحول ، والقرع ، والقصر ، والطول ، والسواد ،

--> « 1 » الهمزة : 1