الغزالي
40
إحياء علوم الدين
وقيل لخالد بن صبيح ، أيسمى الرجل كاذبا بكذبة واحدة ؟ قال نعم . وقال مالك بن دينار ، قرأت في بعض الكتب ، ما من خطيب إلا وتعرض خطبته على عمله ، فإن كان صادقا صدق ، وإن كان كاذبا قرضت شفتاه بمقاريض من نار ، كلما قرضتا نبتتا . وقال مالك ابن دينار ، الصدق والكذب يعتركان في القلب ، حتى يخرج أحدهما صاحبه . وكلم عمر ابن عبد العزيز الوليد بن عبد الملك في شيء ، فقال له كذبت . فقال عمر ، والله ما كذبت منذ علمت أن الكذب يشين صاحبه بيان ما رخص فيه من الكذب اعلم أن الكذب ليس حراما لعينه بل لما فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره . فإن أقل درجاته أن يعتقد المخبر الشيء على خلاف ما هو عليه ، فيكون جاهلا ، وقد يتعلق به ضرر غيره . ورب جهل فيه منفعة ومصلحة . فالكذب محصل لذلك الجهل ، فيكون مأذونا فيه ، وربما كان واجبا ، قال ميمون بن مهران ، الكذب في بعض المواطن خير من الصدق ، أرأيت لو أن رجلا سعى خلف إنسان بالسيف ليقتله ، فدخل دارا ، فانتهى إليك فقال أرأيت فلانا ؟ ما كنت قائلا ؟ ألست تقول لم أره ، وما تصدق به ؟ وهذا الكذب واجب فنقول : الكلام وسيلة إلى المقاصد . فكل مقصود محمود ، يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا ، فالكذب فيه حرام . وإن أمكن التوصل إليه بالكذب دون الصدق ، فالكذب فيه مباح ، إن كان تحصيل ذلك القصد مباح ، وواجب إن كان المقصود واجبا . كما أن عصمة دم المسلم واجبة ، فمهما كان في الصدق سفك دم امرئ مسلم قد اختفى من ظالم ، فالكذب فيه واجب . ومهما كان لا يتم مقصود الحرب ، أو إصلاح ذات البين ، أو استمالة قلب المجنى عليه إلا بكذب ، فالكذب مباح ، إلا أنه ينبغي أن يحترز منه ما أمكن ، لأنه إذا فتح باب الكذب على نفسه ، فيخشى أن يتداعى إلى ما يستغنى عنه ، وإلى ما لا يقتصر على حد الضرورة فيكون الكذب حراما في الأصل إلا لضرورة .