الغزالي
33
إحياء علوم الدين
وقال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « أربع من كنّ فيه كان منافقا ومن كانت فيه خلَّة منهنّ كان فيه خلَّة من النّفاق حتّى يدعها إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر » وهذا ينزل على من وعد وهو على عزم الخلف ، أو ترك الوفاء عن غير عذر . فأما من عزم على الوفاء ، فعنّ له عذر منعه من الوفاء ، لم يكن منافقا ، وإن جرى عليه ما هو صورة النفاق . ولكن ينبغي أن يحترز من صورة النفاق أيضا ، كما يحترز من حقيقته . ولا ينبغي أن يجعل نفسه معذورا من غير ضرورة حاجزة ، فقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] ، كان وعد أبا الهيثم بن التيهان خادما ، فأتى بثلاثة من السبي ، فأعطى اثنين وبقي واحد فأتت فاطمة رضي الله عنها تطلب منه خادما وتقول . ألا ترى أثر الرحى بيدي ؟ فذكر موعده لأبي الهيثم ، فجعل يقول « كيف بموعدي لأبي الهيثم » فآثره به على فاطمة ، لما كان قد سبق من موعده له ، مع أنها كانت تدير الرحى بيدها الضعيفة . [ 3 ] ولقد كان صلى الله عليه وسلم جالسا يقسم غنائم هوازن بحنين ، فوقف عليه رجل من الناس ، فقال إن لي عندك موعدا يا رسول الله ، قال « صدقت فاحتكم ما شئت » فقال أحتكم ثمانين ضائنة وراعيها . قال « هي لك » وقال « احتكمت يسيرا ولصاحبه موسى عليه السّلام الَّتي دلَّته على عظام يوسف كانت أحزم منك وأجزل حكما منك حين حكَّمها موسى عليه السّلام فقالت حكمي أن تردّنى شابّة وأدخل معك الجنّة »