الغزالي

204

إحياء علوم الدين

رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وهو أن لا يترك الدنيا بالكلية . ولا يقمع الشهوات بالكلية . أما الدنيا ، فيأخذ منها قدر الزاد . وأما الشهوات ، فيقمع منها ما يخرج عن طاعة الشرع والعقل ، ولا يتبع كل شهوة ، ولا يترك كل شهوة . بل يتبع العدل ، ولا يترك كل شيء ولا يطلب كل شيء من الدنيا . بل يعلم مقصود كل ما خلق من الدنيا ، ويحفظه على حد مقصوده فيأخذ من القوت ما يقوى به البدن على العبادة ، ومن المسكن ما يحفظ عن اللصوص والحر والبرد ، ومن الكسوة كذلك ، حتى إذا فرغ القلب من شغل البدن . أقبل على الله تعالى بكنه همته . واشتغل بالذكر والفكر طول العمر ، وبقي ملازما لسياسة الشهوات ، ومراقبا لها ، حتى لا يجاوز حدود الورع والتقوى . ولا يعلم تفصيل ذلك إلا بالاقتداء بالفرقة الناجية وهم الصحابة فإنه عليه السلام [ 1 ] لما قال « النّاجي منها واحدة » قالوا يا رسول الله . ومن هم ؟ قال « أهل السنّة والجماعة » فقيل ومن أهل السنة والجماعة ؟ قال « ما أنا عليه وأصحابي » وقد كانوا على النهج القصد ، وعلى السبيل الواضح الذي فصلناه من قبل . فإنهم ما كانوا يأخذون الدنيا للدنيا بل للدين . وما كانوا يترهبون ويهجرون الدنيا بالكلية . وما كان لهم في الأمور تفريط ولا إفراط . بل كان أمرهم بين ذلك قواما . وذلك هو العدل والوسط بين الطرفين ، وهو أحب الأمور إلى الله تعالى كما سبق ذكره في مواضع ، والله أعلم تم كتاب ذم الدنيا ، والحمد لله أولا وآخرا ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم