الغزالي
198
إحياء علوم الدين
التي بها تعرف مقادير الأرض ، لتمكن القسمة بينهم بالعدل . ومنها صناعة الجندية ، لحراسة البلد بالسيف . ودفع اللصوص عنهم . ومنها صناعة الحكم ، والتوصل لفصل الخصومة . ومنها الحاجة إلى الفقه ، وهو معرفة القانون الذي ينبغي أن يضبط به الخلق ، ويلزموا الوقوف على حدوده ، حتى لا يكثر النزاع ، وهو معرفة حدود الله تعالى في المعاملات وشروطها . فهذه أمور سياسية لا بد منها ، ولا يشتغل بها إلا مخصوصون بصفات مخصوصة من العلم ، والتمييز ، والهداية . وإذا اشتغلوا بها لم يتفرغوا لصناعة أخرى ، ويحتاجون إلى المعاش ، ويحتاج أهل البلد إليهم ، إذ لو اشتغل أهل البلد بالحرب مع الأعداء مثلا ، تعطلت الصناعات . ولو اشتغل أهل الحرب والسلاح بالصناعات لطلب القوت ، تعطلت البلاد عن الحراس ، واستضر الناس . فمست الحاجة إلى أن يصرف إلى معايشهم وأرزاقهم الأموال الضائعة التي لا مالك لها إن كانت . أو تصرف الغنائم إليهم إن كانت العداوة مع الكفار فإن كانوا أهل ديانة وورع ، قنعوا بالقليل من أموال المصالح . وإن أرادوا التوسع ، فتمس الحاجة لا محالة إلى أن يمدهم أهل البلد بأموالهم ، ليمدوهم بالحراسة ، فتحدث الحاجة إلى الخراج . ثم يتولد بسبب الحاجة إلى الخراج الحاجة لصناعات أخر ، إذ يحتاج إلى من يوظف الخراج بالعدل على الفلاحين وأرباب الأموال ، وهم العمال . وإلى من يستوفى منهم بالرفق وهم الجباة والمتخرجون . وإلى من يجمع عنده ليحفظه إلى وقت التفرقة ، وهم الخزان . وإلى من يفرق عليهم بالعدل ، وهو الفارض للعساكر . وهذه الأعمال لو تولاها عدد لا تجمعهم رابطة ، انخرم النظام ، فتحدث منه الحاجة إلى ملك يدبرهم ، وأمير مطاع يعين لكل عمل شخصا ، ويختار لكل واحد ما يليق به . ويراعى النصفة في أخذ الخراج وإعطائه ، واستعمال الجند في الحرب ، وتوزيع أسلحتهم . وتعيين جهات الحرب ، ونصب الأمير والقائد على كل طائفة منهم ، إلى غير ذلك من صناعات الملك . فيحدث من ذلك بعد الجند الذين هم أهل السلاح ، وبعد الملك الذي يراقبهم بالعين الكالئة ويدبرهم ، الحاجة إلى الكتاب ، والخزان ، والحساب . والجباة ، والعمال . ثم هؤلاء أيضا يحتاجون إلى معيشة . ولا يمكنهم الاشتغال بالحرف ، فتحدث الحاجة إلى مال الفرع مع مال الأصل وهو المسمى فرع الخراج . وعند هذا يكون الناس في الصناعات ثلاث طوائف ،