الغزالي
186
إحياء علوم الدين
العقوبات عليه ، حتى قال بعضهم ، ما أخاف من الموت إلا من حيث يحول بيني وبين قيام الليل . وكان آخر يقول : اللهم ارزقني قوة الصلاة ، والركوع ، والسجود في القبر . فهذا قد صارت الصلاة عنده من حظوظه العاجلة ، وكل حظ عاجل فاسم الدنيا ينطلق عليه ، من حيث الاشتقاق من الدنو ، ولكنا لسنا نعني بالدنيا المذمومة ذلك وقد قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « حبّب إلىّ من دنياكم ثلاث النّساء والطَّيب وقرّة عيني في الصّلاة » فجعل الصلاة من جملة ملاذ الدنيا . وكذلك كل ما يدخل في الحس والمشاهدة فهو من عالم الشهادة ، وهو من الدنيا والتلذذ بتحريك الجوارح بالركوع ، والسجود ، إنما يكون في الدنيا ، فلذلك أضافها إلى الدنيا ، إلا أنا لسنا في هذا الكتاب نتعرض إلا للدنيا المذمومة ، فنقول هذه ليست من الدنيا . القسم الثاني : وهو المقابل له على الطرف الأقصى ، كل ما فيه حظ عاجل ، ولا ثمرة له في الآخرة أصلا ، كالتلذذ بالمعاصي كلها ، والتنعم بالمباحات الزائدة على قدر الحاجات ، والضرورات الداخلة في جملة الرفاهية والرعونات ، كالتنعم بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ، والخيل المسومة ، والأنعام ، والحرث ، والغلمان ، والجواري ، والخيول ، والمواشي ، والقصور ، والدور ، ورفيع الثياب ، ولذائذ الأطعمة . فحظ العبد من هذا كله هي الدنيا المذمومة . وفيما يعد فضولا ، أو في محل الحاجة ، نظر طويل ، إذ روى عن عمر رضي الله عنه ، أنه استعمل أبا الدرداء على حمص ، فاتخذ كنيفا أنفق عليه درهمين ، فكتب إليه عمر . من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عويمر ، قد كان لك في بناء فارس والروم ، ما نكتفي به عن عمران الدنيا حين أراد الله خرابها ، فإذا أتاك كتابي هذا ، فقد سيرتك إلى دمشق أنت وأهلك . فسلم يزل بها حتى مات . فهذا رآه فضولا من الدنيا فتأمل فيه القسم الثالث ، وهو متوسط بين الطرفين ، كل حظ في العاجل ، معين على أعمال الآخرة . كقدر القوت من الطعام ، والقميص الواحد الخشن ، وكل ما لا بد منه ليتأتى للإنسان البقاء والصحة ، التي بها يتوصل إلى العلم والعمل . وهذا ليس من الدنيا كالقسم