الغزالي
17
إحياء علوم الدين
وينبغي أن يتبع فيه لفظ الشرع ، فإن في اللعنة خطرا ، لأنه حكم على الله عز وجل بأنه قد أبعد الملعون ، وذلك غيب لا يطلع عليه غير الله تعالى ، ويطلع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أطلعه الله عليه والصفات المقتضية للعن ثلاثة ، الكفر ، والبدعة ، والفسق . وللعن في كل واحدة ثلاثة مراتب الأولى : اللعن بالوصف الأعم ، كقولك لعنة الله على الكافرين والمبتدعين ، والفسقة الثانية : اللعن بأوصاف أخص منه ، كقولك لعنة الله على اليهود ، والنصارى ، والمجوس ، وعلى القدرية ، والخوارج ، والروافض ، أو على الزناة ، والظلمة ، وآكلي الربا ، وكل ذلك جائز ، ولكن في لعن أوصاف المبتدعة خطر ، لأن معرفة البدعة غامضة ، ولم يرد فيه لفظ مأثور ، فينبغي أن يمنع منه العوام ، لأن ذلك يستدعى المعارضة بمثله ، ويثير نزاعا بين الناس وفسادا الثالثة . اللعن للشخص المعين ، وهذا فيه خطر . كقولك زيد لعنه الله ، وهو كافر ، أو فاسق ، أو مبتدع والتفصيل فيه ، أن كل شخص ثبتت لعنته شرعا ، فتجوز لعنته . كقولك فرعون لعنه الله ، وأبو جهل لعنه الله ، لأنه قد ثبت أن هؤلاء ماتوا على الكفر وعرف ذلك شرعا . أما شخص بعينه في زماننا ، كقولك زيد لعنه الله ، وهو يهودي مثلا فهذا فيه خطر . فإنه ربما يسلم فيموت مقربا عند الله ، فكيف يحكم بكونه ملعونا ؟ فإن قلت . يلعن لكونه كافرا في الحال ، كما يقال للمسلم رحمه الله لكونه مسلما في الحال ، وإن كان يتصور أن يرتد فاعلم أن معنى قولنا رحمه الله ، أي ثبّته الله على الإسلام ، الذي هو سبب الرحمة . وعلى الطاعة . ولا يمكن أن يقال ثبّت الله الكافر على ما هو سبب اللعنة . فإن هذا سؤال للكفر ، وهو في نفسه كفر . بل الجائز أن يقال ، لعنه الله إن مات على الكفر ولا لعنه الله إن مات على الإسلام . وذلك غيب لا يدرى . والمطلق متردد بين الجهتين ، ففيه خطر ، وليس في ترك اللعن خطر وإذا عرفت هذا في الكافر ، فهو في زيد الفاسق ، أو زيد المبتدع أولى . فلعن الأعيان فيه خطر ، لأن الأعيان تتقلب في الأحوال إلا من أعلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يجوز أن يعلم من يموت على الكفر ، ولذلك عين قوما باللعن ، فكان يقول في دعائه على قريش ، [ 1 ] « اللَّهمّ عليك بأبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة » وذكر جماعة