الغزالي
14
إحياء علوم الدين
وقال جابر بن سمرة [ 1 ] ، كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبي أمامى . فقال صلى الله عليه وسلم « إنّ الفحش والتّفاحش ليسا من الإسلام في شيء وإنّ أحسن النّاس إسلاما أحاسنهم أخلاقا » وقال إبراهيم بن ميسرة : يقال يؤتى بالفاحش المتفحش يوم القيامة في صورة كلب أو في جوف كلب . وقال الأحنف بن قيس ، ألا أخبركم بأدوإ الداء ، اللسان البذي ، والخلق الدني . فهذه مذمة الفحش فأما حده وحقيقته ، فهو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة . وأكثر ذلك يجرى في ألفاظ الوقاع وما يتعلق به . فإن لأهل الفساد عبارات صريحة فاحشة يستعملونها فيه ، وأهل الصلاح يتحاشون عنها ، بل يكنون عنها ، ويدلون عليها بالرموز فيذكرون ما يقاربها ويتعلق بها . وقال ابن عباس ، إن الله حيى كريم ، يعفو ويكني . كنى باللمس عن الجماع . فالمسيس ، واللمس ، والدخول ، والصحبة ، كنايات عن الوقاع . وليست بفاحشة وهناك عبارات فاحشة ، يستقبح ذكرها ، ويستعمل أكثرها في الشتم والتعيير . وهذه العبارات متفاوتة في الفحش ، وبعضها أفحش من بعض ، وربما اختلف ذلك بعادة البلاد ، وأوائلها مكروهة ، وأواخرها محظورة ، وبينهما درجات يتردد فيها . وليس يختص هذا بالوقاع ، بل بالكناية بقضاء الحاجة عن البول ، والغائط أولى من لفظ التغوط والخراء وغيرهما . وإن هذا أيضا مما يخفى ، وكل ما يخفى يستحيا منه ، فلا ينبغي أن يذكر ألفاظه الصريحة ، فإنه فحش وكذلك يستحسن في العادة الكناية عن النساء ، فلا يقال قالت زوجتك كذا ، بل يقال قيل في الحجرة ، أو من وراء الستر ، أو قالت أم الأولاد ، فالتلطف في هذه الألفاظ محمود ، والتصريح فيها يفضي إلى الفحش وكذلك من به عيوب يستحيا منها ، فلا ينبغي أن يعبر عنها بصريح لفظها ، كالبرص ، والقرع ، والبواسير ، بل يقال العارض الذي يشكوه ، وما يجرى مجراه . فالتصريح بذلك داخل في الفحش . وجميع ذلك من آفات اللسان . قال العلاء بن هارون ، كان عمر بن عبد العزيز