الغزالي
140
إحياء علوم الدين
وقال تعالى * ( أَوعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ من رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ ) * « 1 » الآية السبب الخامس : الخوف من فوت المقاصد . وذلك يختص بمتزاحمين على مقصود واحد . فإن كل واحد يحسد صاحبه في كل نعمة تكون عونا له في الانفراد بمقصوده . ومن هذا الجنس تحاسد الضرات في التزاحم على مقاصد الزوجية ، وتحاسد الأخوة في التزاحم على نيل المنزلة في قلب الأبوين ، للتوصل به إلى مقاصد الكرامة والمال . وكذلك تحاسد التلميذين لأستاذ واحد على نيل المرتبة من قلب الأستاذ ، وتحاسد ندماء الملك وخواصه في نيل المنزلة من قلبه ، للتوصل به إلى المال والجاه . وكذلك تحاسد الواعظين المتزاحمين على أهل بلدة واحدة ، إذا كان غرضهما نيل المال بالقبول عندهم . وكذلك تحاسد العالمين المتزاحمين على طائفة من المتفقهة محصورين ، إذ يطلب كل واحد منزلة في قلوبهم للتوصل بهم إلى أغراض له السبب السادس : حب الرئاسة ، وطلب الجاه لنفسه ، من غير توصل به إلى مقصود وذلك كالرجل الذي يريد أن يكون عديم النظير في فن من الفنون ، إذا غلب عليه حب الثناء ، واستفزه الفرح بما يمدح به من أنه واحد الدهر وفريد العصر في فنه ، وأنه لا نظير له ، فإنه لو سمع بنظير له في أقصى العالم لساءه ذلك ، وأحب موته ، أو زوال النعمة عنه ، التي بها يشاركه في المنزلة ، من شجاعة ، أو علم ، أو عبادة ، أو صناعة ، أو جمال ، أو ثروة أو غير ذلك مما يتفرد هو به ، ويفرح بسبب تفرده . وليس السبب في هذا عداوة ، ولا تعززا ، ولا تكبرا على المحسود ، ولا خوفا من فوات مقصود ، سوى محض الرئاسة بدعوى الانفراد . وهذا وراء ما بين آحاد العلماء من طلب الجاه والمنزلة في قلوب الناس ، للتوصل إلى مقاصد سوى الرئاسة . وقد كان علماء اليهود ينكرون معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يؤمنون به ، خيفة من أن تبطل رياستهم واستتباعهم ، مهما نسخ علمهم السبب السابع : خبث النفس وشحها بالخير لعباد الله تعالى . فإنك تجد من لا يشتغل برئاسة ، وتكبر ، ولا طلب مال ، إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله تعالى ، فيما
--> « 1 » الأعراف : 63