الغزالي
136
إحياء علوم الدين
الأموال في المكارم والصدقات ، فالمنافسة فيها مندوب إليها . وإن كانت نعمة يتنعم بها على وجه مباح ، فالمنافسة فيها مباحة . وكل ذلك يرجع إلى إرادة مساواته ، واللحوق به في النعمة ، وليس فيها كراهة النعمة ، وكان تحت هذه النعمة أمران ، أحدهما : راحة المنعم عليه ، والآخر ظهور نقصان غيره وتخلفه عنه . وهو يكره أحد الوجهين ، وهو تخلف نفسه ، ويحب مساواته له . ولا حرج على من يكره تخلف نفسه ونقصانها في المباحات نعم ذلك ينقص من الفضائل ، ويناقض الزهد ، والتوكل ، والرضا ، ويحجب عن المقامات الرفيعة ، ولكنه لا يوجب العصيان وهاهنا دقيقة غامضة ، وهو أنه إذا أيس من أن ينال مثل تلك النعمة ، وهو يكره تخلفه ونقصانه ، فلا محالة يحب زوال النقصان وإنما يزول نقصانه إما بأن ينال مثل ذلك أو بأن تزول نعمة المحسود فإذا انسد أحد الطريقين ، فيكاد القلب لا ينفك عن شهوة الطريق الآخر ، حتى إذا زالت النعمة عن المحسود ، كان ذلك أشفى عنده من دوامها . إذ بزوالها يزول تخلفه وتقدم غيره . وهذا يكاد لا ينفك القلب عنه . فإن كان بحيث لو ألقى الأمر إليه ، ورد إلى اختياره ، لسعى في إزالة النعمة عنه ، فهو حسود حسدا مذموما . وإن كان تدعه التقوى عن إزالة ذلك ، فيعفى عما يجده في طبعه من الارتياح إلى زوال النعمة عن محسوده ، مهما كان كارها لذلك من نفسه بعقله ودينه : ولعله المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « ثلاث لا ينفكّ المؤمن عنهنّ الحسد والظَّنّ والطَّيرة » ثم قال « وله منهنّ مخرج إذا حسدت فلا تبغ » أي إن وجدت في قلبك شيئا فلا تعمل به . وبعيد أن يكون الإنسان مريد اللحاق بأخيه في النعمة ، فيعجز عنها ، ثم ينفك عن ميل إلى زوال النعمة . إذ يجد لا محالة ترجيحا له على دوامها . فهذا الحد من المنافسة يزاحم الحسد الحرام ، فينبغي أن يحتاط فيه ، فإنه موضع الخطر . وما من إنسان إلا وهو يرى فوق نفسه جماعة من معارفه وأقرانه يحب مساواتهم ، ويكاد ينجر ذلك إلى الحسد المحظور إن لم يكن قوى الإيمان ، رزين التقوى ومهما كان محركه خوف التفاوت وظهور نقصانه عن غيره ، جره ذلك إلى الحسد المذموم