الغزالي

124

إحياء علوم الدين

وكتب ابن المقفع إلى صديق له ، يسأله العفو عن بعض إخوانه ، فلان هارب من زلته إلى عفوك . لائذ منك بك . واعلم أنه لن يزداد الذنب عظما . إلا ازداد العفو فضلا . وأتى عبد الملك بن مروان بأسارى بن الأشعث ، فقال لرجاء بن حيوة ، ما ترى ؟ قال إن الله تعالى قد أعطاك ما تحب من الظفر ، فأعط الله ما يحب من العفو . فعفا عنهم . وروى أن زياد أخذ رجلا من الخوارج ، فأفلت منه ، فأخذ أخا له ، فقال له إن جئت بأخيك وإلَّا ضربت عنقك فقال أرأيت إن جئتك بكتاب من أمير المؤمنين تخلى سبيلي ؟ قال نعم . قال فأنا آتيك بكتاب من العزيز الحكيم ، وأقيم عليه شاهدين إبراهيم وموسى . ثم تلا * ( أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى ، وإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ، أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) * « 1 » فقال زياد ، خلوا سبيله ؟ هذا رجل قد لقن حجته : وقيل مكتوب في الإنجيل ، من استغفر لمن ظلمه فقد هزم الشيطان فضيلة الرفق اعلم أن الرفق محمود ، ويضاده العنف والحدة ، والعنف نتيجة الغضب والفظاظة ، والرفق واللين نتيجة حسن الخلق والسلامة . وقد يكون سبب الحدة الغضب ، وقد يكون سببها شدة الحرص واستيلاءه ، بحيث يدهش عن التفكر ، ويمنع من التثبت . فالرفق في الأمور ثمرة لا يثمرها إلا حسن الخلق . ولا يحسن الخلق إلا بضبط قوة الغضب وقوة الشهوة ، وحفظهما على حد الاعتدال . ولأجل هذا أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرفق ، وبالغ فيه . فقال [ 1 ] « يا عائشة إنّه من أعطى حظَّه من الرّفق فقد أعطى حظَّه من خير الدّنيا والآخرة ومن حرم حظَّه من الرّفق فقد حرم حظَّه من خير الدّنيا والآخرة » وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « إذا أحبّ الله أهل بيت أدخل عليهم الرّفق »

--> « 1 » النجم : 36 ، 37 ، 38