الغزالي
109
إحياء علوم الدين
يقول . * ( خُذِ الْعَفْوَ وأْمُرْ بِالْعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) * « 1 » فهذا من الجاهلين . فقال عمر صدقت . فكأنما كانت نارا فأطفئت . وقال محمد بن كعب . ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان باللَّه ، إذا رضى لم يدخله رضاه في الباطل ، وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق ، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له . وجاء رجل إلى سلمان ، فقال يا عبد الله أوصني . قال : لا تغضب . قال لا أقدر . قال : فإن غضبت فأمسك لسانك ويدك . بيان فضيلة الحلم اعلم أن الحلم أفضل من كظم الغيظ ، لأن كظم الغيظ عبارة عن التحلم ، أي تكلف الحلم ، ولا يحتاج إلى كظم الغيظ إلا من هاج غيظه ، ويحتاج فيه إلى مجاهدة شديدة . ولكن إذا تعود ذلك ، مدة صار ذلك اعتيادا فلا يهيج الغيظ . وإن هاج فلا يكون في كظمه تعب وهو الحلم الطبيعي ، وهو دلالة كمال العقل واستيلائه ، وانكسار قوة الغضب وخضوعها العقل ، ولكن ابتداؤه التحلم وكظم الغيظ تكلفا . قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّما العلم بالتّعلَّم والحلم بالتّحلَّم ومن يتخيّر الخير يعطه ومن يتوقّ الشّرّ يوقه » وأشار بهذا إلى أن اكتساب الحلم طريقه التحلم أولا وتكلفه ، كما أن اكتساب العلم طريقه التعلم وقال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « اطلبوا العلم واطلبوا مع العلم السّكينة والحلم لينوا لمن تعلَّمون ولمن تتعلَّمون منه ولا تكونوا من جبابرة العلماء فيغلب جهلكم حلمكم » أشار بهذا إلى أن التكبر والتجبر ، هو الذي يهيج
--> « 1 » الأعراف : 119