الغزالي
103
إحياء علوم الدين
من صاحب الفضائل . فالرذل يغضب لشهوته إذا فاتته اللقمة ، ولبخله إذا فاتته الحبة ، حتى أنه يغضب على أهله وولده وأصحابه ، بل القوى من يملك نفسه عند الغضب ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « ليس الشّديد بالصّرعة إنّما الشّديد الَّذي يملك نفسه عند الغضب » بل ينبغي أن يعالج هذا الجاهل بأن تتلى عليه حكايات أهل الحلم والعفو ، وما استحسن منهم من كظم الغيظ ، فإن ذلك منقول عن الأنبياء والأولياء ، والحكماء والعلماء ، وأكابر الملوك الفضلاء وضد ذلك منقول عن الأكراد والأتراك ؟ والجهلة والأغبياء ، الذين لا عقول لهم ، ولا فضل فيهم بيان علاج الغضب بعد هيجانه ما ذكرناه هو حسم لمواد الغضب وقطع لأسبابه حتى لا يهيج . فإذا جرى سبب هيجه فعنده يجب التثبت ، حتى لا يضطر صاحبه إلى العمل به على الوجه المذموم . وإنما يعالج الغضب عند هيجانه بمعجون العلم والعمل . أما العلم فهو ستة أمور الأول : أن يتفكر في الأخبار التي سنوردها ، في فضل كظم الغيظ ، والعفو ، والحلم ، والاحتمال ، فيرغب في ثوابه ، فتمنعه شدة الحرص على ثواب الكظم عن التشفي والانتقام وينطفئ عنه غيظه . قال مالك بن أوس بن الحدثان ، غضب عمر على رجل وأمر بضربه فقلت يا أمير المؤمنين * ( خُذِ الْعَفْوَ وأْمُرْ بِالْعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) * « 1 » فكان عمر يقول * ( خُذِ الْعَفْوَ وأْمُرْ بِالْعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) * « 2 » فكان يتأمل في الآية ، وكان وقافا عند كتاب الله مهما تلي عليه ، كثير التدبر فيه ، فتدبر فيه ، وخلى الرجل . وأمر عمر ابن عبد العزيز بضرب رجل ، ثم قرأ قوله تعالى * ( والْكاظِمِينَ الْغَيْظَ ) * « 3 » فقال لغلامه خل عنه الثاني : أن يخوف نفسه بعقاب الله ، وهو أن يقول قدرة الله علىّ أعظم من قدرتى على هذا الإنسان ، فلو أمضيت غضبي عليه ، لم آمن أن يمضى الله غضبه علىّ يوم القيامة أحوج ما أكون إلى العفو ، فقد قال تعالى في بعض الكتب القديمة ، يا ابن آدم ، اذكرني حين
--> « 1 » الأعراف : 199 « 2 » الأعراف : 199 « 3 » آل عمران : 134