الغزالي
101
إحياء علوم الدين
وإن لم أقطعها فأنا شر مما تقول . وسب رجل أبا بكر رضي الله عنه ، فقال ما ستر الله عنك أكثر . فكأنه كان مشغولا بالنظر في تقصير نفسه عن أن يتقى الله حق تقاته ، ويعرفه حق معرفته فلم يغضبه نسبة غيره إياه إلى نقصان ، إذ كان ينظر إلى نفسه بعين النقصان . وذلك لجلالة قدره . وقالت امرأة لمالك بن دينار ، يا مرائي . فقال ما عرفني غيرك . فكأنه كان مشغولا بأن ينفى عن نفسه آفة الرياء ، ومنكرا على نفسه ما يلقيه الشيطان إليه ، فلم يغضب لما نسب إليه . وسب رجل الشعبي فقال ، إن كنت صادقا فغفر الله لي ، وإن كنت كاذبا فغفر الله لك فهذه الأقاويل دالة في الظاهر على أنهم لم يغضبوا ، لاشتغال قلوبهم بمبهمات دينهم . ويحتمل أن يكون ذلك قد أثر في قلوبهم ، ولكنهم لم يشتغلوا به ، واشتغلوا بما كان هو الأغلب على قلوبهم . فإذا اشتغال القلب ببعض المهمات ، لا يبعد أن يمنع هيجان الغضب عند فوات بعض المحاب . فإذا يتصور فقد الغيظ ، إما باشتغال القلب بمهم ، أو بغلبة نظر التوحيد ، أو بسبب ثالث ، وهو أن يعلم أن الله يحب منه أن لا يغتاظ ، فيطفئ شدة حبه لله غيظه ، وذلك غير محال في أحوال نادرة . وقد عرفت بهذا أن الطريق للخلاص من نار الغضب محو حب الدنيا عن القلب ، وذلك بمعرفة آفات الدنيا وغوائلها ، كما سيأتي في كتاب ذم الدنيا . ومن أخرج حب المزايا عن القلب ، تخلص من أكثر أسباب الغضب وما لا يمكن محوه ، يمكن كسره وتضعيفه فيضعف الغضب بسببه ، ويهون دفعه . نسأل الله حسن التوفيق بلطفه وكرمه ، إنه على كل شيء قدير ، والحمد لله وحده . بيان الأسباب المهيجة للغضب قد عرفت أن علاج كل علة حسم مادتها ، وإزالة أسبابها . فلا بد من معرفة أسباب الغضب . وقد قال يحيى لعيسى عليهما السلام أي شيء أشد ؟ قال غضب الله . قال فما يقرب من غضب الله ؟ قال أن تغضب ، قال فما يبدي الغضب وما ينبته ؟ قال عيسى الكبر ، والفخر ، والتعزز ، والحمية والأسباب المهيجة للغضب ، هي الزهو ، والعجب ، والمزاح ، والهزل ، والهزء والتعبير والمماراة . والمضادة ، والغدر ، وشدة الحرص على فضول المال والجاه ، وهي بأجمعها أخلاق