محيي الدين الدرويش
457
اعراب القرآن الكريم وبيانه
منه المحكم الذي لا يخطئه السامع ، ولا يغرب عن الفهم ، ومنه ما حفل بضروب المجازات ، وأنواع الكنايات والإشارات والتلويحات . وقد كان هذا الضرب الثاني ، أفعل في نفوسهم ، وأكثر استهواء لهم ، فأنزل القرآن مفرغا في الأسلوبين ، حاويا للنوعين ، ليكون التحدي أعم وأشمل ، ولو نزل كله محكما لما ترددوا في التماس المطاعن ، ولما أحجموا عن المكابرة واللجاج والاعتراض ، ولقالوا : هلّا نزل بالضرب الذي نستحسنه ، ونميل إليه ؟ هذا من جهة ، ومن جهة ثانية لما يتميّز به المتشابه من كدّ القرائح في استخراج المغالق واكتناه المرامي ، وحسر الستار عن الطرائف التي تتعالى على النظرة السطحية البدائية ، حتى إذا فتح اللّه عليه وتمكن من سبر أغوار المتشابه ، كان إيمانه أرسخ ويقينه أقوى من أن تعصف به الشبهات . ( الزيغ ) الميل عن الحق والجنوح إلى الباطل . والزاي والياء إذا وقعتا فاء وعينا للكلمة أفادتا هذا المعنى وسمي الزيت زيتا لأنه سائل يميل بسرعة ، وزاغت الشمس تزيغ مالت ، وقس على ذلك . الإعراب : ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ ) كلام مستأنف مسوق لتفصيل آيات الكتاب وأنها قسمان : قسم يفهمه الناس ، وقسم لا يفهمونه لقصورهم وعجزهم . وهو مبتدأ والذي خبره وجملة أنزل عليك الكتاب لا محل لها لأنها صلة الموصول وعليك متعلقان بأنزل والكتاب مفعول به ( مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ ) الجملة حال من الكتاب والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وآيات مبتدأ مؤخر ومحكمات صفة لآيات ( هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ ) الجملة صفة ثانية لآيات وهن ضمير منفصل في محل