محيي الدين الدرويش

394

اعراب القرآن الكريم وبيانه

أراد بها بيت المقدس حين خربها بخت‌نصّر ( وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ) الواو للحال وهي مبتدأ وخاوية خبر وعلى عروشها جار ومجرور متعلقان بخاوية . والمعنى سقطت السقوف أولا ثم تلتها الأبنية . وهذا التصوير تجسيد شعري لفناء المحدثات ، يبدأ الفناء بالعوالم والكائنات الحية ثم تتلوها الجمادات ، وقد رمق من طرف خفي أبو الطيب المتنبي سماء هذا المعنى البديع فنقله نقلا دقيقا أسرع من تنقّل الطيوف في الأجفان فقال يرثي : أين الذي الهرمان من بنيانه ؟ * ما قومه ؟ ما يومه ؟ ما المصرع ؟ تتخلف الآثار عن أصحابها * حينا ويدركها الفناء فتتبع والبيت الثاني هو المقصود ، ومعناه أن الآثار وهي المباني تبقى بعد أربابها لتدلّ على تمكنهم وقوتهم ، ثم ينالها بعدهم ما نالهم من الفناء ، وسيدركها الخراب فتسقط متداعية ثم تسقط فوقها العروش ، والسقوف المشيدة ، فتذهب الآثار ، وقد ذهب المفسرون في قصة هذا المارّ مذاهب طريفة يحلو الرجوع إليها في المطولات ، وهل قال ما قال بمعرض الإنكار للبعث ؟ وهل كان كافرا ؟ هذه كلها حدوس تتألف منها قصة مجنحة ، فمن لنا بالكاتب المبدع ؟ ( قالَ : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها ) قال : فعل وفاعله هو ، وأنى فيها وجهان : أحدهما أن تكون بمعنى متى فتكون ظرفا متعلقا بيحيي . وثانيهما أن تكون بمعنى كيف فتكون حالا من هذه ، والعامل فيها يحيي . وجملة يحيي في محل جر بالإضافة إذا كانت « أنى » ظرفا . أو مقولا للقول إذا كانت بمعنى كيف . ويحيي فعل مضارع وهذه مفعول مقدم واللّه فاعل مؤخر وبعد موتها ظرف زمان متعلق بيحيي أيضا . وجملة قال مستأنفة مسوقة للتّلهّف عليها ، والتشوق إلى عمارتها مع استشعار اليأس منها