السيد محمد حسين فضل الله
61
من وحي القرآن
هناك صلة وثيقة بينهما ، بحيث كان يدخل على النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلّم وهو جالس بين زوجاته ، وقد اشتهرت الرواية التي تتضمن دخوله عليه وعنده عائشة وأم سلمة ، فقال لهما : احتجبا فقالتا : إنه أعمى ، فقال : أنتما تريانه . وإذا كان ذلك قد حدث في المدينة ، بالإضافة إلى استخلافه عليها عند خروجه إلى الغزو ، فإنه يدل على عمق الصلة منذ البداية ، لا سيما إذا سلّمنا بالرواية التي تتضمن سؤاله الملحّ بأن يتلو عليه كتاب اللَّه ويعلّمه ممّا علمه اللَّه ، مما يدلّ على الروحية الإيمانية التي تستوعب المعرفة الدينية للقرآن وللإسلام بالمستوى الذي ينتهز فيه الفرصة الدائمة لاكتساب العلم . إن ذلك كله قد يوحي بوحدة الحال بينه وبين النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلّم بحيث يغيب عن العلاقة أيّ طابع رسميّ ، مما يجعل إعراض النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلّم ، اعتمادا على ما بينهما من الصلة التي تسمح له بتأخير الحديث معه إلى فرصة أخرى ، من دون أن يترك أيّ أثر سلبيّ في نفسه ، لا سيّما إذا كان ذلك لمصلحة الدين التي تجعل أي مسلم في زمن الدعوة الأوّل ، يفرح لنجاح النبي في استمالته لأي شخص من كفار قريش الوجهاء في مجتمعهم ، إلى دائرة الإيمان أو الدين الجديد ، باعتبار أن ذلك يخفف العذاب والحصار على المسلمين المستضعفين ، ومنهم ابن أم مكتوم . وبذلك يكون إعراض النبي عنه كإعراضه عن أحد أفراد أصحابه ، أو عائلته ، اتّكالا على ما بينهما من صلات عميقة ووحدة حال . كما أن العبوس لم يكن عبوس الاحتقار ، بل قد يكون أقرب إلى عبوس المضايقة النفسية التي توجد تقلّصا في الوجه عندما يقطع أحد على الإنسان حديثه الذي يرقى إلى مستوى الأهمية لديه ، فلا يكون ، في ذلك ، أيّ عمل غير أخلاقيّ ، فلا يتنافى مع الآيات التي أكدت خلقه العظيم وسعة صدره . النقطة الثانية : إن مدلول الآيات يوحي بأن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلّم كان يستهدف من