السيد محمد حسين فضل الله

43

من وحي القرآن

الآيات الكونية وقدرة اللَّه تعالى . . وتلتفت السورة إلى المشركين الذين أراد اللَّه من رسوله أن يحدثهم عن اليوم الذي ترجف فيه الراجفة ، وعن حديث موسى الذي يتضمن قوة اللَّه في أخذه ، ليستشعروا حجمهم الحقير أمام قوة اللَّه . إنها تخاطبهم مباشرة ليتطلعوا إلى ما يعيشونه من الشعور بالقوّة أمام الكون الذي يحيط بهم في ما يجسده من قدرة اللَّه في خلقه ، ليدخلوا في مقارنة حسية بين عناصر القدرة فيه ، وعوامل الضعف فيهم ، وحجم القوة التي يملكونها إزاء ذلك ، لأن التحدّي في الأمور الحسية قد يفرض نفسه عليهم أكثر من التحدي في الأمور الغيبيّة . أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ فهل يمكن أن يكون الجواب بأنكم أشد خلقا منها ؟ إن الصورة لا تحتمل ذلك لأن الإنسان مهما كبر حجمه ، ومهما اشتدت قوّته ، فإنه لا يمثل شيئا أمام هذه السماء المترامية الأطراف التي بَناها اللَّه بقوّته من غير عمد و رَفَعَ سَمْكَها أي سقفها ، فَسَوَّاها في استقامتها وتناسق أجزائها ، بوضع كلّ جزء في موضعه ، على أساس التخطيط الإلهي الدقيق الذي قد لا يعرف الناس من طبيعته وتفصيله الكثير ، لأنهم لا يملكون إلا المشاهدة البعيدة ، سواء كان ذلك بالعين المجردة ، أو بالوسائل الأخرى المستحدثة . ولكن الأمر مهما كان خفيّا ، فإنه يوحي بالعظمة التي يخضع لها العقل ، ويهتز أمامها الشعور ، الذي يوحي بعظمة الخالق ، الذي خلقها بهذا التناسق الدقيق ، والتماسك الشديد .