السيد محمد حسين فضل الله
38
من وحي القرآن
النبيّ له درب الهدى الذي يصله باللَّه ليتعرف عظمته في ذاته ، فتصغر نفسه عنده ، وتتعاظم خشية اللَّه لديه ، ليتكامل له الخط المستقيم في طبيعته السلبية المتمثلة بالابتعاد عن خط الانحراف ، وفي طبيعته الإيجابية المتمثلة بالالتزام بخط الاستقامة . وتلك هي مشكلة الكثيرين من الناس ، لا سيّما الجبابرة منهم ، فهم لم يتعرفوا على اللَّه ليهتدوا إليه ، بل استغرقوا في ذواتهم ، وفي ما يحيط بهم من أوضاع ، فغفلوا عن كل شيء يتصل بالآفاق الرحبة التي تنفتح على مواقع عظمة اللَّه في الكون ، فكانت المسألة هي أن يخرجوا من حالة الاستغراق الذاتية المختنقة ليتسع أفقهم ، وليتحرك فكرهم ، وليبدأوا الرحلة إلى عالم جديد . وهذا ما أراد اللَّه لموسى عليه السلام أن يواجه به فرعون من أجل أن يصل إلى استشعار خشية اللَّه ، ولكن فرعون لم يتقبل هذه الدعوة المنفتحة على الحق ، فثارت به كبرياؤه ، فاستصغر شأن موسى عليه السلام ، لا سيّما أنه كان ينتمي إلى الطبقة المنبوذة المستضعفة من قبل فرعون . ولم يستسلم موسى عليه السلام إلى هذه النظرة الفوقية الفرعونية ، فأراد أن يصدم طبيعة هذا الموقف المتكبر ، فقدم إليه العصا واليد البيضاء . موسى عليه السلام يتحدى فرعون بآيات اللَّه فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى التي تدل على صدقه في رسالته ، في تعبيرها عن ارتباطه باللَّه . فَكَذَّبَ وَعَصى وتحدّث عن السحر في ردّه على موسى عليه السلام ، فاعتبره ساحرا يريد أن يقلب الموقف لمصلحته بسحره ، ليصل إلى السلطة تحت شعار النبوّة التي تمنحه قوّة روحية كبيرة في تأثيرها على الجماهير المستضعفة المتطلعة إلى