السيد محمد حسين فضل الله

62

من وحي القرآن

التهمة ، أو الإيحاء به من خلال استغرابهم لمضمون القرآن في خروجه عن المألوف في تفكيرهم . أمّا قوله تعالى : وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ فإنه يؤكد ما قلناه ، لأنه يريد أن يقرر الحقيقة القرآنية التي أنزلها اللّه لتذكّر الناس بالحقائق في العقيدة والعمل ، ولتخرجهم من الغفلة المطبقة على عقولهم المستغرقة في زوايا الجهل والتخلّف ، كما يوحي بأن استغرابهم لها ناشئ عن الجوّ الضبابيّ الذي يحجب الحقيقة عنهم ، لأن الخروج عن المألوف لا يعني الخروج عن الحقيقة ، فربما كان المألوف خاضعا لذهنية متخلفة أو عقلية موروثة من الآباء المتخلفين . عالميّة رسالة الإسلام وقد نجد في هذه الآية المكية التي أكدت على أن القرآن جاء ذكرا للعالمين ، ردّا على بعض المستشرقين الذين تحدثوا عن أن عالمية الرسالة لم تكن في وعي النبي محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم عندما كان في مكة ، بل كانت حالة طارئة انطلق فيها وهو في المدينة بعد أن اتسعت انتصاراته ، مما أدّى إلى اتساع طموحه في السيطرة على العالم . إن هذه الآية في هذه السورة المكية تؤكد من الناحية التاريخية أن المسألة كانت منطلقة في الوحي الإلهي منذ الأيام الأولى للدعوة ، ولم تكن مسألة الحديث عن أنه ذكر للنبي ولقومه ، أو إنذار أم القرى ومن حولها ، ناشئة من محدودية ساحة الدعوة ، بل كانت ناشئة من طبيعة الظروف الزمانية والمكانية التي كانت تفرض التدرّج في الدعوة ، من أجل الوصول إلى الساحات الأخرى من موقع القوّة الممتدة في أكثر من مكان .