السيد محمد حسين فضل الله

28

من وحي القرآن

قل لهم . . كل الكلمات التي تثير الفكر نحو الله وتبقى الآيات في السورة لتثير في داخل الإنسان بعض القضايا المألوفة لديه في وجوده الذاتي ، ليفكر فيها بطريقة تحليلية تؤدّي به إلى الإيمان باللّه من موقع الفكر الدقيق الذي يطرح السؤال في بعض الحالات ليتفاعل في النفس ، وليحصل على جواب ذاتيّ من الداخل . قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ من العدم ، فهل فكرتم كيف كنتم قبل أن تكونوا في هذا الوجود ، ومن الذي أخرجكم من قلب العدم إلى حقيقة الوجود مبتعدين عن الأسباب المباشرة إلى ما وراءها من الأسرار المحيطة بالوسائل العادية المادية ، وإلى القوّة التي هي عنصر السببية الفعالة وحيوية الحركة ، وهل فكرتم في السمع الذي تسمعون به كل الأصوات ، وفي البصر الذي ترون به كل المرئيات ، والعقل الذي تدركون به كل الحقائق التي تتوجهون إليها من خلال المفردات المتجمعة لديكم ؟ كيف ركّبت في كيانكم ؟ ومن هو الذي جهزكم بها ؟ هل يمكن أن يكون مثل هؤلاء الذين من حولكم أو مثل هذه الأشياء الجامدة التي تتعبدون لها ، وراء ذلك كله ؟ أو أن اللّه وحده هو الذي جعلها لكم ؟ ! . إن الفكر السليم هو الذي يقف بكم على حقيقة الوجود في كل هذه الأجهزة الحسية والفكرية التي لولاهما لما كان لوجودكم معنى ، وهو الذي أعطاكم الحياة ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ التي تمثل النعمة العظيمة التي لا تدانيها نعمة أخرى في وجودكم المادي ، مما يفرض عليكم الوعي العميق لذلك أن تشكروا اللّه بالانفتاح على معرفته والسير على خط طاعته ، ولكنكم غافلون عن ذلك كله ، مستغرقون في أجواء اللامبالاة قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ فلستم الذين تعيشون الشكر من ناحية المبدأ ، لأنكم لا تتحركون من قاعدته الروحية . وربما كان المراد بالفقرة قلة الشكر وضعفه إذا كان قد حصل