السيد محمد حسين فضل الله
93
من وحي القرآن
بيننا عيبة مكفوفة « 1 » ، وأنه لا إسلال ولا إغلال « 2 » ، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه . . . » « 3 » . « قال الزهري في حديثه : ثم انصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من وجهه ذلك قافلا ، حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح » « 4 » . وأورد السيوطي في الدر المنثور عن الإمام أحمد وابن داود وابن المنذر وغيرهم - بإسنادهم عن مجمع بن جارية الأنصاري ، وكان أحد القراء الذين قرءوا القرآن : « قال : شهدنا الحديبية ، فلما انصرفنا عنها إلى كراع الغميم ، إذا الناس يوجفون الأباعر ، فقال الناس بعضهم لبعض : ما للناس ؟ قالوا : أوحي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فخرجنا مع الناس نوجف ، فإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على راحلته على كراع الغميم ، فاجتمع الناس عليه ، فقرأ عليهم : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً فقال رجل : يا رسول اللّه ، أو فتح هو ؟ قال : والذي نفس محمد بيده ، إنه لفتح » « 5 » . هذا هو الجوّ الذي نزلت فيه السورة لتبشِّر المؤمنين بالمغفرة ، ولتمنّ عليهم بالسكينة ، ولتتحدث عن بيعة رسول اللّه بوصفها بيعة للّه ، كما تتحدث عن نقاط الضعف في المجتمع الإسلامي ، بالإشارة إلى المختلفين من الأعراب ، وإلى المعذّرين الذين يحاولون تبرير تخاذلهم بأعذار لا قيمة لها ، لأن للأعذار الشرعية موقعا أصيلا لا موقع لهم فيه .
--> ( 1 ) أي تكف عنّا ونكف عنك ، أي أن الصدور منطوية على ما فيها لا تبدي عداوة . ( 2 ) الإسلال : السرقة الخفية . والإغلال : الخيانة . ( 3 ) سيرة ابن هشام ، ج : 3 ، ص : 328 - 330 . ( 4 ) سيرة ابن هشام ، ج : 3 ، ص : 334 . ( 5 ) الدر المنثور ، ج : 7 ، ص : 508 .