السيد محمد حسين فضل الله

71

من وحي القرآن

المبدأ ، فكيف يمكن أن لا تكونوا من المفسدين ، القاطعين للأرحام ؟ وكيف لا يتوقع منكم ذلك ، لأن التوقعات تتبع العنوان البارز للشخصية الأخلاقية سلبا وإيجابا ؟ ! وقيل : إن المراد بالتولّي في قوله : إِنْ تَوَلَّيْتُمْ الإعراض عن كتاب اللّه والعمل بما فيه ، ومنه الجهاد في سبيل اللّه ، أي هل يتوقع من إعراضكم إلا الإفساد في الأرض ، والقطيعة للأرحام ، وذلك بسفك الدماء ونهب الأموال ، وهتك الأعراض ، تكالبا على جيفة الدنيا ؟ وربما كان الأظهر هو الوجه الأول ، للتطابق بين معنى الولاية وبين الإفساد في الأرض بحسب المتبادر من الكلمة ؛ واللّه العالم . أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فأبعدهم عن مواقع رضاه بابتعادهم عن الالتزام بها ، فَأَصَمَّهُمْ عندما رفضوا الانفتاح عن الاستماع إليه ، وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ عندما وضعوا على أعينهم غشاوة من الغفلة ، وغطاء من النفاق . والظاهر أن الصمّ والعمى واردان على سبيل الكناية لانحرافهم عن الأسس التي ينفتحون بها على الإيمان باللّه . أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ليتعمقوا في مفاهيمه ، وينفتحوا على أحكامه ، ويتعرفوا من خلاله على الخطوط الفاصلة بين الحق والباطل ، وبين الكفر والإيمان ، ليلتزموا الخط القرآني في قضايا العقيدة والحياة ؟ ! وما المانع أن يتدبروه وهم يملكون معرفة اللّغة التي نزل بها ، والقدرة على الفهم ؟ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها فلا تنفتح على الحق من خلال القرآن ، ولا تلتقي بالخير في آياته ، كما لو كان على قلوبهم قفل يغلقها عن الوعي والفهم والانفتاح . والظاهر - كما قال في مجمع البيان - أن هذه الآية دالة : « على بطلان قول من قال : لا يجوز تفسير شيء من ظاهر القرآن إلا بخبر وسمع » « 1 » . فإن اللّه يدعو إلى فهم القرآن وتدبّره حتى يكتشف الناس فكره وشريعته ونهجه في

--> ( 1 ) مجمع البيان ، ج : 9 ، ص : 135 .