السيد محمد حسين فضل الله

56

من وحي القرآن

إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ما هو دور المؤمن ، وما هي مسئوليته تجاه الإيمان باللّه ؟ هل هو الاستسلام للجوّ العباديّ الروحيّ الذي يستسلم للّذّة الروحية في حالة السلم والاسترخاء الأمني ، أم هو الاندفاع في خط مواجهة التحديات الصعبة التي تثيرها معركة الإيمان والكفر ، ليقف بقوّة يستمدها من روحه المرتبطة باللّه ، لأن الروح أليست مجرد حالة في المزاج ، بل هي - في العمق - موقف متصل بقوّة اللّه وعظمته ؟ إن الآية الأولى تتحدث عن نصرة الإنسان المؤمن للّه ، وذلك بنصرة دينه وأوليائه ، ومواقع طاعته ورضاه ، فذلك هو الموقف الحاسم الذي لا بد للمؤمن من أن يقفه في ساحة الصراع . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ هل يحتاج اللّه إلى نصرة وهو ناصر المؤمنين ؟ النصرة هنا ليست نصرة الذات الإلهية التي هي فوق العالمين جميعا ، بل هي نصرة الموقف الذي يرتبط باللّه في مواقع الرسالة ، عندما يندفع المؤمنون ليواجهوا أعداء اللّه ، ليكون الدين كله له . وبذلك يمدّكم اللّه بأسباب النصر بعين رعايته وعنايته وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ فلا تهتزّ أمام تهاويل الرعب التي يحشدها الأعداء في وجوهكم ، وزلزال الخوف الذي يثيرونه في أفكاركم وقلوبكم ، ولن يفلح الكافرون الذين يخططون ويتحركون في ساحتكم . وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ فهم غارقون في وحول التعاسة التي تثقل أرواحهم ، وضائعون في متاهات الخيبة والخذلان والخسران التي تضيع فيها مواقفهم ، وأية تعاسة أشد من أن يتطلع الإنسان إلى مستقبله ، فلا يرى إلا الفراغ القاتل والضياع الهائل ، وينظر إلى مصيره ، فلا يبصر إلا النار ، ويلتفت في الأعالي ، فلا يجد إلا غضب اللّه وسخطه والدعاء عليه بالتعاسة المطلقة في كل شيء ؟ ! وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ لأنها في طبيعتها في خط الضلال ، لا علاقة لها برحمة اللّه في شيء ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ من قرآنه وشريعته ونهجه