السيد محمد حسين فضل الله
54
من وحي القرآن
ويختبر صبرهم وطاعتهم وقوّتهم في مواجهة التحديات الصعبة الموجّهة إليهم من قبل الآخرين ، ليزدادوا قوّة وخبرة في خط المواجهة ، وليمتحن الكافرين بالمؤمنين ، ليتميز الناس في خط الكفر والإيمان في ساحة المعاناة ، لتكون الإرادة الإنسانية هي التي تحدد ساحة الصراع وتحسم الموقف فيها ، واللّه لم يجعل النصر خاضعا للغيب ، لأنه أراد للناس الإيمان عن إرادة واختيار . وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ من المؤمنين الّذين خاضوا معركة الكفر والإيمان بإخلاص وصدق وتضحية لتكون كلمة اللّه هي العليا ، فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ لأنها تحتوي في داخلها على العمق الإيماني الذي يحقق لهم ما أرادوه فيها من رضوان اللّه ونعيمه في جنته . ولهذا ، فإن اللّه الذي اطّلع على الصدق في النية ، والإخلاص في الموقف ، لن يبطل أعمالهم كما أبطل أعمال الكافرين ، بل يمنحهم أجرها العظيم ، حيث إنه سَيَهْدِيهِمْ إلى رضوانه وجنته وَيُصْلِحُ بالَهُمْ ، فيحقق لهم الرضى القلبي والطمأنينة الروحيّة ، التي تتحول إلى واقع حيّ يعيشون فيه الراحة والاستقرار والسعادة ، ويحقّقون فيه لأنفسهم - من خلال ألطاف اللّه - الكثير من الخير ، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ قبل ذلك ، فكانت غاية لأعمالهم ، أو عند الموقف في القيامة ، فأقبلوا على الدخول فيها إقبال العارف بها المشتاق إليها ، المنفتح عليها بكل عقله وروحه وحياته .