السيد محمد حسين فضل الله

27

من وحي القرآن

وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما وهذا هو النموذج الثاني الذي يعيش بين أبوين مؤمنين ، يتعهّدانه بالرعاية والحب والحنان ، ويبذلان كل ما لديهما من جهد في سبيل تنميته وتربيته ، حتى إذا بلغ مبلغ الرجال ، انفصل عن هذا الجوّ الإيماني ليندمج بالأجواء الاهية العابثة التي تمنعه عن الجدّية في الحياة ، وعن المسؤولية في عالم الفكر والعمل ، وتدفعه إلى مواجهة المواقف الفكرية العقيدية بطريقة اللّامبالاة التي ترفض بشكل سطحي ، وتقبل بشكل ارتجالي ، فيكفر لأنه لم يلتق الإيمان في مواقع التأمّل أو الحوار ، وينحرف لأنه ابتعد مع شهواته ولذاته عن خط الاستقامة . ويبدأ صراعه مع والديه اللذين بلغا سنّ الكهولة أو الشيخوخة ، حول مسألة الإيمان والفكر ، فهما ، نتيجة امتزاج عاطفتهما بالابن ، يعيشان القلق الشديد على مصير ابنهما ومستقبله في الآخرة ، ويخشيان أشد الخشية أن يواجه عذاب اللّه في النار ، ولكن ابنهما يعيش الغرور الكافر ، والكبرياء الطاغي ، ويقف منهما موقف التعنيف والتأنيب والتأفف من هذه الشيوخة التي تريد أن تقف أمام شهواته ولذاته في معصية اللّه . وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما في احتقار واستهانة وتأفّف ، كما لو كانا عبئا ثقيلا عليه ، لأنهما يفرضان نفسيهما عليه ، ويتدخلان في حياته ، في الوقت الذي يرى نفسه في موقع لا يجوز معه لأحد أن يعترض على سلوكه ، لا سيّما ممن لا يملك الدرجة العليا من الفكر والتقدم في نظره . أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ بعد الموت الذي أتحوَّل فيه إلى تراب ، بفعل السنين الطويلة التي تفني كل نبضة للحياة التي تتحدثان عنها ؟ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي فلم يعد أحد من الأمم التي عاشت في القرون السالفة إلى الحياة ليكون نموذجا حيّا للفكرة التي تطرحانها ، فلو كان هناك بعث ، لرأينا بعضا من هؤلاء ، ولكننا لم نر شيئا من ذلك ، مما يوحي بأن فكرة البعث أسطورة لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة .