السيد محمد حسين فضل الله
71
من وحي القرآن
بغير علم ، أَنَّى يُصْرَفُونَ عن الحق ، ويبتعدون عن دلائله وبراهينه ، فلا يدرسونها من موقع الفكر الباحث عن الحقيقة ، بل يتحركون فيها من موقع الجدل العقيم الباحث عن أسس المكابرة . الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ الذي أنزلناه عليك ليكون هدى للناس ، ونورا للحقيقة ، وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا من الكتب المنزلة الماضية ، كالتوراة والإنجيل ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عندما يقفون بين يدي اللَّه ، ويواجهون الحقيقة الحاسمة ، أمام المصير المحتوم ، إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ في ما يمثله ذلك من ذلّ ومن ألم لهؤلاء المترفين المستكبرين ، وَالسَّلاسِلُ الممتدة يُسْحَبُونَ بواسطتها فِي الْحَمِيمِ الذي يغلي ويغلي فيشربه أهل النار ويحرق داخلهم ، ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ فيكونون وقودا للنار يحترقون بها . . وهكذا يواجهون السقوط والإذلال والاحتراق من دون ناصر ينصرهم أو مخلّص يخلّصهم . ثم ينطلق السؤال الذي يفرض نفسه في موقف تعرية لنهجهم كله . أين شركاؤكم من دون الله ؟ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ليأتوا إليكم ولينصروكم من اللَّه إن كانوا في مواقع الآلهة ، كما كنتم تزعمون ؟ فمن الطبيعي أن تنصر الآلهة عبّادها ، إذا كانت تملك قوّة مستقلّة ، أو تشفع لها إذا كانت تملك موقعا مميزا يسمح لها بالشفاعة عند اللَّه . قالُوا ضَلُّوا عَنَّا فقد ضاعت آثارهم ، فلا نراهم أمامنا ، بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً فقد تبخّروا وتحوّلوا إلى لا شيء ، لقد كانوا أوهاما تسيطر على أفكارنا ، لا حقيقة متجذرة في عقولنا ، فليس لهم الآن أيّ وجود في الواقع .