السيد محمد حسين فضل الله
51
من وحي القرآن
المجتمع ، نتيجة المشاكل الكبيرة المطروحة من خلالها ، فتوحي لنا بأن تلك العوامل هي كل شيء ، مما يؤدي إلى عزل بقية العوامل المؤثرة على الحياة بحيث تبدو عوامل لا ترتبط بقضايا المصير ، لأن المصير أصبح شأنا دنيويّا لا علاقة له بالآخرة ، أو بالإيمان باللَّه من قريب أو بعيد . 6 - إن ظاهرة مؤمن آل فرعون ، تؤكّد الفكرة الإسلامية التي ترفض اعتبار البيئة عاملا حاسما يشلّ عنصر الاختيار والإرادة في الإنسان لجهة ما يتخذه من مواقف وما يقوم به من أعمال ، ليكون ذلك مبرّرا شرعيّا للانحراف من جهة ، ودليلا على الاتجاه الجبري الفلسفيّ الذي ينكر على الإنسان حريته من موقع البيئة التي تسيطر على تفكيره وتوجّه إرادته في اتجاه محدد منحرف أو مستقيم . إن وجود مثل هذا الإنسان الذي يولد في مجتمع الشرّ ، ووجود امرأة فرعون التي تعيش تحت ضغط هذا المجتمع ، يؤكّد الفكرة التي تعتبر جوّ الشرّ عنصرا يشجع الشرّ ، ويضعف مقاومة الإنسان ضده ، ولكنه لا يلغي المقاومة ، بل يبقي للإنسان مجال التعبير عن إرادته في ظل الظروف الصعبة ، ويسمح للإنسان بتجربة الانتصار . ونجد في المقابل ، الإنسان الذي يولد في مجتمع الخير ، أو يعيش فيه ، كابن نوح وامرأته ، وامرأة لوط ، وغيرهم من الأشخاص الذين لم تمنعهم أجواء الخير التي عاشوا فيها ، من أن ينحرفوا بسبب مؤثرات الانحراف التي استجابوا لها . إن البيئة - في الأساس - لا تضع أمام الإنسان حاجزا مستحيل الاختراق بينه وبين الخروج عن إرادة مجتمعة وسلوكه ، بل تضع أمامه عقبات وصعوبات يمكن للإنسان اختراقها بقوّة الفكر والإرادة - لو شاء ذلك - بعد جهد طويل . وهذا ما يبعث في نفوس العاملين إرادة الانتصار على عوامل البيئة الشرّيرة وضغوطها ، ويمكنهم من دفع الإنسان بعيدا عن أفكار البيئة وأخلاقها وسلوكها العملي ، من أجل دفع عملية تغيير المجتمع إلى الأمام بقوّة .