السيد محمد حسين فضل الله

31

من وحي القرآن

السياسية الطاغية ، وَقارُونَ الذي كان يمثل القوّة المالية في المجتمع ، وهذه هي الآية الوحيدة التي يتحدث فيها القرآن ، عن قارون باعتباره إحدى الشخصيات البارزة التي أراد اللَّه لموسى أن يبلغها الرسالة ، بشكل مباشر . ولعلّ الحديث عن هؤلاء الثلاثة ، يعود إلى قوّة تأثيرهم على المجتمع لكونهم يمثلون رموز المجتمع السياسية والمالية التي ألف الناس الخضوع لها في الفكر والانتماء والممارسة . فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ لأن هاتين الصفتين تسقطان عن موقف موسى الرسالي صبغة القداسة ، في الكلمة ، وفي الخط والموقف . . ليكون وصفه بالساحر سبيلا لإدخاله في نادي السحرة الذين يحترم الناس ألا عيبهم المثيرة ، ولا يرتبطون بفكرهم وخطّهم في الحياة ، فإذا أضيفت إليها صفة الكذاب ، أصبح بعدهم عنه أمرا حاسما . . فقد خان هذا الساحر جمهوره عندما اندفع إليهم من موقع السحر ، ليدّعي دعوى غريبة تربطه بالسماء كذبا وبهتانا فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا في ما تتميز به الرسالة من مضمون الحق كعنوان للفكر والمنهج والحركة والموقع . . لم يقابلوه بالتأمّل والحوار الناقد ؛ بل قابلوه بالقوّة المتعسفة المعاندة المتوحشة ، و قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ فهذا هو المنطق الذي استخدمه فرعون في حكمه الطاغي قبل ولادة موسى ، اضطهادا لبني إسرائيل . . وهو المنطق نفسه الذي واجه به موسى ومن آمن معه ، فقد أمر بقتل الأبناء ، لئلا يمتد الإيمان إلى الجيل القادم ، وليكون ذلك عقوبة رادعة للمؤمنين ليتراجعوا عن هذا الإيمان ، وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ لإبقائهنّ للخدمة ولغير ذلك من الأغراض الفاسدة . . وقد نلاحظ - في هذا الموضوع - أنّ هؤلاء الطغاة لم يأمروا بقتل المؤمنين أنفسهم ، بل بقتل أولادهم في سبيل الضغط عليهم ، مما قد يوحي أن هناك مانعا يمنع إجراء كهذا وهو الإجراء الطبيعي في مثل هذه الحالات . وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ فلن يستطيعوا بلوغ غاياتهم في ما