الغزالي
75
إحياء علوم الدين
ولو أصبته لأكلته ولو سألت الله لأطعمنيه « فهذه الخواطر التي ليس معها عزم على الفعل ، هي حديث النفس . ولذلك شاور رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ لم يكن معه عزم وهم بالفعل . وأما الثالث وهو الاعتقاد ، وحكم القلب بأنه ينبغي أن يفعل ، فهذا تردد بين أن يكون اضطرارا أو اختيارا . والأحوال تختلف فيه ، فالاختياري منه يؤاخذ به ، والاضطرارى لا يؤاخذ به وأما الرابع ، وهو الهم بالفعل ، فإنه مؤاخذ به . إلا أنه إن لم يفعل نظر ، فإن كان قد تركه خوفا من الله تعالى ، وندما على همه ، كتبت له حسنة . لأن همه سيئة ، وامتناعه ومجاهدته نفسه حسنة . والهم على وفق الطبع ، مما يدل على تمام الغفلة عن الله تعالى ، والامتناع بالمجاهدة على خلاف الطبع ، يحتاج إلى قوة عظيمة . فجده في مخالفة الطبع هو العمل لله تعالى والعمل لله تعالى أشد من جده في موافقة الشيطان بموافقة الطبع . فكتب له حسنة ، لأنه رجح جده في الامتناع وهمه به ، على همه بالفعل . وإن تعوق الفعل بعائق ، أو تركه بعذر لا خوفا من الله تعالى ، كتبت عليه سيئة . فإن همه فعل من القلب اختياري . والدليل على هذا التفصيل ، ما روى في الصحيح مفصلا في لفظ الحديث . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « قالت الملائكة عليهم السّلام ربّ ذاك عبدك يريد أن يعمل سيّئة ، وهو أبصر به ، فقال ارقبوه فإن هو عملها فاكتبوها له بمثلها وإن تركها فاكتبوها له حسنة إنّما تركها من جرّائى » وحيث قال فإن لم يعملها ، أراد به تركها لله . فأما إذا عزم على فاحشة ، فتعذرت عليه بسبب أو غفلة ، فكيف تكتب له حسنة ! وقد قال صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « إنّما يحشر النّاس على نيّاتهم » ونحن نعلم أن من عزم ليلا على أن يصبح ليقتل مسلما أو يزني بامرأة ، فمات تلك الليلة ، مات مصرا ، ويحشر على نيته ، وقد هم بسيئة ولم يعملها