الغزالي
71
إحياء علوم الدين
وظهر له بحراء ، فسد الأفق من المشرق إلى المغرب . ورآه مرة أخرى على صورته ليلة المعراج ، عند سدرة المنتهى . وإنما كان يراه في صورة الآدمي غالبا . [ 1 ] فكان يراه في صورة دحية الكلبي ، [ 2 ] وكان رجلا حسن الوجه . والأكثر أنه يكاشف أهل المكاشفة من أرباب القلوب بمثال صورته ، فيتمثل الشيطان له في اليقظة ، فيراه بعينه ، ويسمع كلامه بأذنه ، فيقوم ذلك مقام حقيقة صورته . كما ينكشف في المنام لأكثر الصالحين . وإنما المكاشف في اليقظة ، هو الذي انتهى إلى رتبة لا يمنعه اشتغال الحواس بالدنيا عن المكاشفة التي تكون في المنام ، فيرى في اليقظة ما يراه غيره في المنام ، كما روى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أن رجلا سأل ربه أن يريه موضع الشيطان من قلب ابن آدم ، فرأى في النوم جسد رجل شبه البلور ، يرى داخله من خارجه ، ورأى الشيطان في صورة ضفدع قاعد على منكبه الأيسر ، بين منكبه وأذنه ، له خرطوم دقيق ، قد أدخله من منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس إليه . فإذا ذكر الله تعالى خنس ومثل هذا قد يشاهد بعينه في اليقظة . فقد رآه بعض المكاشفين في صورة كلب جاثم على جيفة يدعو الناس إليها ، وكانت الجيفة مثال الدنيا . وهذا يجرى مجرى مشاهدة صورته الحقيقية ، فإن القلب لا بد وأن تظهر فيه حقيقة من الوجه الذي يقابل عالم الملكوت وعند ذلك يشرق أثره على وجهه الذي يقابل عالم الملك والشهادة ، لأن أحدهما متصل بالآخر وقد بينا أن القلب له وجهان ، وجه إلى عالم الغيب ، وهو مدخل الإلهام والوحي ، ووجه إلى عالم الشهادة . فالذي يظهر منه في الوجه الذي يلي جانب عالم الشهادة ، لا يكون إلا صورة متخيلة ، لأن عالم الشهادة كله متخيلات ، إلا أن الخيال تارة يحصل من النظر إلى ظاهر عالم الشهادة بالحس ، فيجوز أن لا تكون الصورة على وفق المعنى ، حتى يرى شخصا جميل الصورة وهو خبيث الباطن ، قبيح السر ، لأن عالم الشهادة عالم كثير التلبيس . أما الصورة