الغزالي

62

إحياء علوم الدين

وليت شعري من أخذ ولدا عزيز الإنسان هو قرة عينه ، وحياة قلبه ، فأخذ يضربه ويمزقه ، وينتف شعره ويقطعه بالمقراض ، وهو مع ذلك يدعى حب أبيه وولاءه ، فكيف يكون حاله عنده ؟ ومعلوم أن الدين والشرع كانا أحب إلى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة رضي الله عنهم ، من الأهل والولد ، بل من أنفسهم . والمقتحمون لمعاصى الشرع هم الذين يمزقون الشرع ، ويقطعونه بمقاريض الشهوات ، ويتوددون به إلى عدو الله إبليس وعدو أوليائه . فترى كيف يكون حالهم يوم القيامة عند الصحابة ، وعند أولياء الله تعالى ! لابل لو كشف الغطاء ، وعرف هؤلاء ما تحبه الصحابة في أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لاستحيوا أن يجروا على اللسان ذكرهم مع قبح أفعالهم ، ثم إن الشيطان يخيل إليهم أن من مات محبا لأبي بكر وعمر ، فالنار لا تحوم حوله ، ويخيل إلى الآخر أنه إذا مات محبا لعلي ، لم يكن عليه خوف ، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول [ 1 ] لفاطمة رضي الله عنها ، وهي بضعة منه [ 2 ] « اعملي فإنّى لا أغنى عنك من الله شيئا » وهذا مثال أوردناه من جملة الأهواء وهكذا حكم المتعصبين للشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد ، وغيرهم من الأئمة . فكل من ادعى مذهب إمام ، وهو ليس يسير بسيرته ، فذلك الإمام هو خصمه يوم القيامة ، إذ يقول له : كان مذهبي العمل دون الحديث باللسان ، وكان الحديث باللسان لأجل العمل لا لأجل الهذيان ، فما بالك خالفتني في العمل والسيرة ، التي هي مذهبي ومسلكى الذي سلكته وذهبت فيه إلى الله تعالى ، ثم ادعيت مذهبي كاذبا ، وهذا مدخل عظيم من مداخل الشيطان قد أهلك به أكثر العالم ، وقد سلمت المدارس لأقوام قل من الله خوفهم ، وضعفت في الدين بصيرتهم ، وقويت في الدنيا رغبتهم ، واشتد على الاستتباع حرصهم ، ولم يتمكنوا من الاستتباع وإقامة الجاه إلا بالتعصب ، فحبسوا ذلك في صدورهم ، ولم ينبهوهم على مكايد الشيطان فيه ، بل نابوا عن الشيطان في تنفيذ مكيدته ، فاستمر الناس عليه ، ونسوا أمهات دينهم ، فقد هلكوا وأهلكوا ، فاللَّه تعالى يتوب علينا وعليهم