الغزالي

52

إحياء علوم الدين

الباعثة على الشر قد علمت ، ودل ذلك على أنه عن سبب لا محالة ، وعلم أن الداعي إلى الشر المحذور في المستقبل عدو ، فقد عرف العدو لا محالة ، فينبغي أن يشتغل بمجاهدته . وقد عرّف الله سبحانه عداوته في مواضع كثيرة من كتابه ، ليؤمن به ويحترز عنه ، فقال تعالى * ( إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوه ُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَه ُ لِيَكُونُوا من أَصْحابِ السَّعِيرِ ) * « 1 » وقال تعالى * ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّه ُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) * « 2 » فينبغي للعبد أن يشتغل بدفع العدو عن نفسه ، لا بالسؤال عن أصله ونسبه ومسكنه نعم ينبغي أن يسأل عن سلاحه ليدفعه عن نفسه ، وسلاح الشيطان الهوى والشهوات ، وذلك كاف للعالمين . فأما معرفة ذاته وصفاته وحقيقته ، نعوذ باللَّه منه ، وحقيقة الملائكة ، فذلك ميدان العارفين المتغلغلين في علوم المكاشفات ، فلا يحتاج في علم المعاملة إلى معرفته نعم ينبغي أن يعلم أن الخواطر تنقسم إلى ما يعلم قطعا أنه داع إلى الشر ، فلا يخفى كونه وسوسة ، وإلى ما يعلم أنه داع إلى الخير ، فلا يشك في كونه إلهاما . وإلى ما يتردد فيه ، فلا يدرى أنه من لمة الملك ، أو من لمّة الشيطان ، فإن من مكايد الشيطان أن يعرض الشر في معرض الخير ، والتمييز في ذلك غامض ، وأكثر العباد به يهلكون ، فإن الشيطان لا يقدر على دعائهم إلى الشر الصريح ، فيصور الشر بصورة الخير ، كما يقول للعالم بطريق الوعظ ، أما تنظر إلى الخلق وهم موتى من الجهل ، هلكى من الغفلة ، قد أشرفوا على النار ، أما لك رحمة على عباد الله ، تنقذهم من المعاطب بنصحك ووعظك ، وقد أنعم الله عليك بقلب بصير ، ولسان ذلق ، ولهجة مقبولة ، فكيف تكفر نعمة الله تعالى ، وتتعرض لسخطه ، وتسكت عن إشاعة العلم ، ودعوة الخلق إلى الصراط المستقيم . ولا يزال يقرر ذلك في نفسه ، ويستجره بلطيف الحيل ، إلى أن يشتغل بوعظ الناس - ثم يدعوه بعد ذلك إلى أن يتزين لهم ويتصنع بتحسين اللفظ ، وإظهار الخير ، ويقول له إن لم تفعل ذلك سقط وقع كلامك من قلوبهم ، ولم يهتدوا إلى الحق ، ولا يزال يقرر ذلك عنده ، وهو في أثنائه يؤكد فيه شوائب الرياء ، وقبول الخلق ، ولذة الجاه ، والتعزز بكثرة الأتباع والعلم ، والنظر إلى الخلق بعين الاحتقار فيستدرج المسكين بالنصح إلى الهلاك ، فيتكلم وهو يظن أن قصده الخير ، وإنما قصده

--> « 1 » فاطر : 6 « 2 » يس : 60