الغزالي

32

إحياء علوم الدين

المؤيدون بروح القدس ، المستمدون من القوة الإلهية ، التي تتسع لجميع الأمور ولا تضيق عنها . فأما قلوب سائر الخلق فإنها إذا استقلت بأمر الدنيا انصرفت عن الآخرة ، وقصرت عن الاستكمال فيها بيان الفرق بين الإلهام والتعلم والفرق بين طريق الصوفية في استكشاف الحق وطريق النظار اعلم أن العلوم التي ليست ضرورية ، وإنما تحصل في القلب في بعض الأحوال ، تختلف الحال في حصولها : فتارة تهجم على القلب كأنه ألقى فيه من حيث لا يدرى ، وتارة تكتسب بطريق الاستدلال والتعلم . فالذي يحصل لا بطريق الاكتساب وحيلة الدليل يسمى إلهاما والذي يحصل بالاستدلال يسمى اعتبارا واستبصارا . ثم الواقع في القلب بغير حيلة وتعلم واجتهاد من العبد ، ينقسم إلى ما لا يدرى العبد أنه كيف حصل له ، ومن أين حصل ، وإلى ما يطلع معه على السبب الذي منه استفاد ذلك العلم ، وهو مشاهدة الملك الملقى في القلب والأول يسمى إلهاما ونفثا في الروع ، والثاني يسمى وحيا وتختص به الأنبياء ، والأول يختص به الأولياء والأصفياء ، والذي قبله ، وهو المكتسب بطريق الاستدلال ، يختص به العلماء وحقيقة القول فيه أن القلب مستعد لان تنجلي فيه حقيقة الحق في الأشياء كلها . وإنما حيل بينه وبينها بالأسباب الخمسة التي سبق ذكرها . فهي كالحجاب المسدل الحائل بين مرآة القلب وبين اللوح المحفوظ ، الذي هو منقوش بجميع ما قضى الله به إلى يوم القيامة وتجلى حقائق العلوم من مرآة اللوح في مرآة القلب ، يضاهي انطباع صورة من مرآة في مرآة تقابلها ، والحجاب بين المرآتين تارة يزال باليد ، وأخرى يزول بهبوب الرياح تحركه . وكذلك قد تهب رياح الألطاف ، وتنكشف الحجب عن أعين القلوب ، فينجلي فيها بعض ما هو مسطور في اللوح المحفوظ . ويكون ذلك تارة عند المنام فيعلم به ما يكون في المستقبل ، وتمام ارتفاع الحجاب بالموت ، فيه ينكشف الغطاء . وينكشف أيضا في اليقظة