الغزالي
30
إحياء علوم الدين
حتى يعرض في معرض الأمتان . ولذلك سمى ضد إدراكه عمى ، فقال تعالى * ( فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ ولكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ ) * « 1 » وقال تعالى * ( ومن كانَ في هذِه ِ أَعْمى فَهُوَ في الآخِرَةِ أَعْمى وأَضَلُّ سَبِيلًا ) * « 2 » فهذا بيان العلم العقلي أما العلوم الدينية ، فهي المأخوذة بطريق التقليد من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه . وذلك يحصل بالتعلم لكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وفهم معانيهما بعد السماع . وبه كمال صفة القلب ، وسلامته عن الادواء والأمراض ، فالعلوم العقلية غير كافية في سلامة القلب ، وإن كان محتاجا إليها . كما أن العقل غير كاف في استدامة صحة أسباب البدن ، بل يحتاج إلى معرفة خواص الأدوية والعقاقير بطريق التعلم من الأطباء . إذ مجرد العقل لا يهتدى إليه ، ولكن لا يمكن فهمه بعد سماعه إلا بالعقل ، فلا غنى بالعقل عن السماع ، ولا غنى بالسماع عن العقل . فالداعى إلى محض التقليد مع عزل العقل بالكلية جاهل ، والمكتفي بمجرد العقل عن أنوار القرءان والسنة مغرور . فإياك أن تكون من أحد الفريقين ، وكن جامعا بين الأصلين ، فإن العلوم العقلية كالأغذية ، والعلوم الشرعية كالأدوية . والشخص المريض يستضر بالغذاء متى فاته الدواء . فكذلك أمراض القلوب لا يمكن علاجها إلا بالأدوية المستفادة من الشريعة ، وهي وظائف العبادات والأعمال التي ركبها الأنبياء صلوات الله عليهم لإصلاح القلوب . فمن لا يداوي قلبه المريض بمعالجات العبادة الشرعية ، واكتفى بالعلوم العقلية ، استضر بها كما يستضر المريض بالغذاء وظن من يظن أن العلوم العقلية مناقضة العلوم الشرعية ، وأن الجمع بينهما غير ممكن ، هو ظن صادر عن عمى في عين البصيرة ، نعوذ باللَّه منه . بل هذا القائل ربما يناقض عنده بعض العلوم الشرعية لبعض ، فيعجز عن الجمع بينهما ، فيظن أنه تناقض في الدين ، فيتحير به ، فينسل من الدين انسلال الشعرة من العجين . وانما ذلك لأن عجزه في نفسه خيل إليه نقضا في الدين ، وهيهات . وإنما مثاله مثال الأعمى الذي دخل دار قوم ، فتعثر فيها بأواني الدار ، فقال لهم ما بال هذه الأواني تركت على الطريق ؟ لم لا ترد إلى موضعها ؟ فقالوا له تلك الأواني
--> « 1 » الحج : 46 « 2 » الاسراء : 72