الغزالي

25

إحياء علوم الدين

فالجهل بتلك الأصول ، وبكيفية الازدواج ، هو المانع من العلم . ومثاله ما ذكرناه من الجهل بالجهة التي الصورة فيها . بل مثاله أن يريد الإنسان أن يرى قفاه مثلا بالمرآة . فإنه إذا رفع المرآة بإزاء وجهه لم يكن قد حاذى بها شطر القفا ، فلا يظهر فيها القفا . وإن رفعها وراء القفا وحاذاه ، كان قد عدل بالمرآة عن عينه ، فلا يرى المرآة ولا صورة القفا فيها ، فيحتاج إلى مرآة أخرى ينصبها وراء القفا ، وهذه في مقابلتها بحيث يبصرها ، ويرعى مناسبة بين وضع المرآتين ، حتى تنطبع صورة القفا في المرآة المحاذية للقفا ، ثم تنطبع صورة هذه المرآة في المرآة الأخرى التي في مقابلة العين ، ثم تدرك العين صورة القفا فكذلك في اقتناص العلوم طرق عجيبة ، فيها ازورارات وتحريفات أعجب مما ذكرناه في المرآة ، يعز على بسيط الأرض من يهتدى إلى كيفية الحيلة في تلك الازورارات فهذه هي الأسباب المانعة للقلوب من معرفة حقائق الأمور . وإلا فكل قلب فهو بالفطرة صالح لمعرفة الحقائق ، لأنه أمر رباني شريف ، فارق سائر جواهر العلم بهذه الخاصية والشرف . وإليه الإشارة بقوله عز وجل * ( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ والأَرْضِ والْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وأَشْفَقْنَ مِنْها وحَمَلَهَا الإِنْسانُ ) * « 1 » إشارة إلى أن له خاصية تميز بها عن السماوات والأرض والجبال ، بها صار مطيقا لحمل أمانة الله تعالى وتلك الأمانة هي المعرفة والتوحيد ، وقلب كل آدمي مستعد لحمل الأمانة ومطيق لها في الأصل ، ولكن يثبطه عن النهوض بأعبائها والوصول إلى تحقيقها ، الأسباب التي ذكرناها . ولذلك قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « كلّ مولود يولد على الفطرة وإنّما أبواه يهوّدانه وينصرانه ويمجّسانه » وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « لولا أنّ الشّياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السّماء » إشارة إلى بعض هذه الأسباب التي هي الحجاب بين القلب وبين الملكوت . وإليه الإشارة بما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قيل لرسول الله يا رسول الله [ 3 ] اين الله ؟ في الأرض أو في السماء ؟ قال « في قلوب عباده المؤمنين » وفي الخبر قال الله تعالى

--> « 1 » الأحزاب : 72