الغزالي
191
إحياء علوم الدين
وروى أن سليمان بن يسار ، كان من أحسن الناس وجها . فدخلت عليه امرأة ، فسألته نفسه ، فامتنع عليها ، وخرج هاربا من منزله وتركها فيه ، قال سليمان ، فرأيت تلك الليلة في المنام يوسف عليه السلام ، وكأني أقول له أنت يوسف ؟ قال نعم ، أنا يوسف الذي هممت ، وأنت سليمان الذي لم تهم . أشار إلى قوله تعالى * ( ولَقَدْ هَمَّتْ به وهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّه ِ ) * « 1 » وعنه أيضا ما هو أعجب من هذا ، وذلك أنه خرج من المدينة حاجا ، ومعه رفيق له ، حتى نزلا بالإيواء ، فقام رفيقه وأخذ السفرة ، وانطلق إلى السوق ليبتاع شيئا . وجلس سليمان في الخيمة ، وكان من أجمل الناس وجها ، وأورعهم فبصرت به أعرابية من قلة الجبل ، وانحدرت إليه ، حتى وقفت بين يديه ، وعليها البرقع والقفازان . فأسفرت عن وجه لها كأنّه فلقة قمر . وقالت أهنئنى . فظن أنها تريد طعاما . فقالت لست أريد هذا إنما أريد ما يكون من الرجل إلى أهله . فقال جهزك إلىّ إبليس . ثم وضع رأسه بين ركبتيه وأخذ في النحيب . فلم يزل يبكى . فلما رأت منه ذلك ، سدلت البرقع على وجهها ، وانصرفت راجعة حتى بلغت أهلها . وجاء رفيقه فرآه وقد انتفخت عيناه من البكاء ، وانقطع حلقه . فقال ما يبكيك ؟ قال خير ، ذكرت صبيتي قال لا والله ، إلا أن لك قصة . إنما عهدك بصبيتك منذ ثلاث أو نحوها . فلم يزل به حتى أخبره خبر الأعرابية . فوضع رفيقه السفرة ، وجعل يبكى بكاء شديدا . فقال سليمان ، وأنت ما يبكيك ؟ قال أنا أحق بالبكاء منك ، لأني أخشى أن لو كنت مكانك لما صبرت عنها ، فلم يزالا يبكيان ، فلما انتهى سليمان إلى مكة ، فسعى وطاف ثم أتى الحجر ، فاحتبى بثوبه ، فأخذته عينه فنام ، وإذا رجل وسيم طوال له إشارة حسنة ، ورائحة طيبة ، فقال له سليمان رحمك الله ، من أنت ؟ قال له أنا يوسف الصديق ؟ قال نعم ، قال إن في شأنك وشأن امرأة العزيز لعجبا ، فقال له يوسف شأنك وشأن صاحبة الإيواء أعجب وروى عن عبد الله بن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] يقول « انطلق ثلاثة نفر ممّن كان قبلكم حتّى آواهم المبيت إلى غار فدخلوا فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار فقالوا إنّه لا ينجيكم من هذه الصّخرة إلَّا أن
--> « 1 » يوسف : 24