الغزالي
186
إحياء علوم الدين
[ 1 ] وقالت أم سلمة ، استأذن ابن أم مكتوم الأعمى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا وميمونة جالستان . فقال عليه السلام « احتجبا » فقلنا أوليس بأعمى لا يبصرنا ؟ فقال « وأنتما لا تبصرانه » ؟ وهذا يدل على أنه لا يجوز للنساء مجالسة العميان ، كما جرت به العادة في المآتم والولائم ، فيحرم على الأعمى الخلوة بالنساء ، ويحرم على المرأة مجالسة الأعمى وتحديق النظر إليه لغير حاجة . وإنما جوز للنساء محادثة الرجال والنظر إليهم ، لأجل عموم الحاجة وإن قدر على حفظ عينه عن النساء ، ولم يقدر على حفظها عن الصبيان ، فالنكاح أولى به . فإن الشر في الصبيان أكثر . فإنه لو مال قلبه إلى امرأة ، أمكنه الوصول إلى استباحتها بالنكاح . والنظر إلى وجه الصبي بالشهوة حرام . بل كل من يتأثر قلبه بجمال صورة الأمرد بحيث يدرك التفرقة بينه وبين الملتحى ، لم يحل له النظر إليه فإن قلت : كل ذي حس يدرك التفرقة بين الجميل والقبيح لا محالة ، ولم تزل وجوه الصبيان مكشوفة فأقول : لست أعنى تفرقة العين فقط . بل ينبغي أن يكون إدراكه التفرقة كإدراكه التفرقة بين شجرة خضراء وأخرى يابسة ، وبين ماء صاف وماء كدر . وبين شجرة عليها أزهارها وأنوارها وشجرة تساقطت أوراقها . فإنه يميل إلى إحداهما بعينه وطبعه ، ولكن ميلا خاليا عن الشهوة . ولأجل ذلك لا يشتهي ملامسة الأزهار والأنوار وتقبيلها ، ولا تقبيل الماء الصافي . وكذلك الشيبة الحسنة قد تميل العين إليها ، وتدرك التفرقة بينها وبين الوجه القبيح ، ولكنها تفرقة لا شهوة فيها . ويعرف ذلك بميل النفس إلى القرب والملامسة فمهما وجد ذلك الميل في قلبه ، وأدرك تفرقة بين الوجه الجميل ، وبين النبات الحسن ، والأثواب المنقشة ، والسقوف المذهبة ، فنظره نظر شهوة ، فهو حرام . وهذا مما يتهاون به الناس ويجرهم ذلك إلى المعاطب وهم لا يشعرون قال بعض التابعين . ما أنا بأخوف من السبع الضاري على الشاب الناسك ، من غلام أمرد يجلس إليه . وقال سفيان ، لو أن رجلا عبث بغلام بين إصبعين من أصابع رجله ، يريد الشهوة ، لكان لواطا . وعن بعض السلف قال : سيكون في هذه الأمة ثلاثة أصناف لوطيون