الغزالي

182

إحياء علوم الدين

روى أن موسى عليه السلام ، كان جالسا في بعض مجالسه ، إذ أقبل إليه إبليس وعليه برنس يتلون فيه ألوانا . فلما دنا منه ، خلع البرنس فوضعه ، ثم أتاه ، فقال السلام عليك يا موسى . فقال له موسى من أنت ؟ فقال أنا إبليس . فقال لا حياك الله . ما جاء بك ؟ قال جئت لأسلم عليك لمنزلتك من الله ، ومكانتك منه . قال فما الذي رأيت عليك ؟ قال برنس أختطف به قلوب بني آدم . قال فما الذي إذا صنعه الإنسان استحوذت عليه ؟ قال إذا أعجبته نفسه ، واستكثر عمله ، ونسي ذنوبه . وأحذرك ثلاثا ، لا تخل بامرأة لا تحل لك ، فإنه ما خلا رجل بامرأة لا تحل له إلا كنت صاحبه دون أصحابي ، حتى أفتنه بها ، وأفتنها به . ولا تعاهد الله عهدا إلا وفيت به . ولا تخرجن صدقة إلا أمضيتها . فإنه ما أخرج رجل صدقة فلم يمضها إلا كنت صاحبه دون أصحابي ، حتى أحول بينه وبين الوفاء بها . ثم ولى وهو يقول ، يا ويلتاه علم موسى ما يحذر به بني آدم وعن سعيد بن المسيب قال : ما بعث الله نبيا فيما خلا إلا لم ييأس إبليس أن يهلكه بالنساء . ولا شيء أخوف عندي منهن . وما بالمدينة بيت أدخله إلا بيتي وبيت ابنتي . أغتسل فيه يوم الجمعة ، ثم أروح . وقال بعضهم ، إن الشيطان يقول للمرأة أنت نصف جندي ، وأنت سهمى الذي أرمى به فلا أخطئ ، وأنت موضع سرى ، وأنت رسولي في حاجتي . فنصف جنده الشهوة . ونصف جنده الغضب . وأعظم الشهوات شهوة النساء وهذه الشهوة أيضا لها إفراط وتفريط واعتدال . فالإفراط ما يقهر العقل حتى يصرف همة الرجال إلى الاستمتاع بالنساء والجواري ، فيحرم عن سلوك طريق الآخرة ، أو يقهر الدين حتى يجر إلى اقتحام الفواحش . وقد ينتهى إفراطها بطائفة إلى أمرين شنيعين أحدهما : أن يتناولوا ما يقوى شهواتهم على الاستكثار من الوقاع ، كما قد يتناول بعض الناس أدوية تقوى المعدة ، لتعظم شهوة الطعام . وما مثال ذلك إلا كمن ابتلى بسباع ضارية وحياة عادية ، فتنام عنه في بعض الأوقات ، فيحتال لإثارتها وتهييجها ، ثم يشتغل بإصلاحها وعلاجها . فإن شهوة الطعام والوقاع على التحقيق آلام يريد الإنسان الخلاص منها ، فيدرك لذة بسبب الخلاص