الغزالي

180

إحياء علوم الدين

شدد أمر المنافقين ، فقال تعالى * ( إِنَّ الْمُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأَسْفَلِ من النَّارِ ) * « 1 » لأن الكافر كفر وأظهر . وهذا كفر وستر . فكان ستره لكفره كفرا آخر . لأنه استخف بنظر الله سبحانه وتعالى إلى قلبه ، وعظم نظر المخلوقين . فمحا الكفر عن ظاهره . والعارفون يبتلون بالشهوات بل بالمعاصي ، ولا يبتلون بالرياء والغش والإخفاء . بل كمال العارف أن يترك الشهوات لله تعالى ، ويظهر من نفسه الشهوة ، إسقاطا لمنزلته من قلوب الخلق . وكان بعضهم يشترى الشهوات ويعلقها في البيت ، وهو فيها من الزاهدين ، وإنما يقصد به تلبيس حاله ، ليصرف عن نفسه قلوب الغافلين ، حتى لا يشوشون عليه حاله فنهاية الزهد ، الزهد في الزهد بإظهار ضده . وهذا عمل الصديقين . فإنه جمع بين صدقين . كما أن الأول جمع بين كذبين . وهذا قد حمل على النفس ثقلين ، وجرعها كأس الصبر مرتين . مرة بشر به ، ومرة برميه . فلا جرم أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا . وهذا يضاهي طريق من يعطى جهرا فيأخذ ، ويردّ سرا ، ليكسر نفسه بالذل جهرا ، وبالفقر سرا . فمن فاته هذا فلا ينبغي أن يفوته إظهار شهوته ونقصانه ، والصدق فيه : ولا ينبغي أن يغره قول الشيطان ، إنك إذا أظهرت اقتدى بك غيرك ، فاستره إصلاحا لغيرك . فإنه لو قصد إصلاح غيره لكان إصلاح نفسه أهم عليه من غيره . فهذا إنما يقصد الرياء المجرد ، ويروجه الشيطان عليه في معرض إصلاح غيره . فلذلك ثقل عليه ظهور ذلك منه ، وإن علم أن من اطلع عليه ليس يقتدى به في الفعل ، أولا ينزجر باعتقاده أنه تارك للشهوات الآفة الثانية : أن يقدر على ترك الشهوات ، لكنه يفرح أن يعرف به ، فيشتهر بالتعفف عن الشهوات . فقد خالف شهوة ضعيفة ، وهي شهوة الأكل . وأطاع شهوة هي شر منها وهي شهوة الجاه . وتلك هي الشهوة الخفية . فمهما أحس بذلك من نفسه ، فكسر هذه الشهوة آكد من كسر شهوة الطعام . فليأكل . فهو أولى له قال أبو سليمان ، إذا قدمت إليك شهوة ، وقد كنت تاركا لها ، فأصب منها شيئا يسيرا ولا تعط نفسك مناها ، فتكون قد أسقطت عن نفسك الشهوة ، وتكون قد نغصت عليها إذ لم تعطها شهوتها - وقال جعفر بن محمد الصادق ، إذا قدمت إلىّ شهوة ، نظرت

--> « 1 » النساء : 145