الغزالي
174
إحياء علوم الدين
ومهما اشتهى شيئا من الطعام وطيبات الفواكه ، فينبغي أن يترك الخبز ويأكلها بدلا منه ، لتكون قوتا ، ولا تكون تفكها ، لئلا يجمع للنفس بين عادة وشهوة ، نظر سهل إلى ابن سالم وفي يده خبز وتمر ، فقال له ابدأ بالتمر ، فإن قامت كفايتك به ، وإلا أخذت من الخبز بعده بقدر حاجتك ومهما وجد طعاما لطيفا وغليظا ، فليقدم اللطيف ، فإنه لا يشتهي الغليظ بعده . ولو قدم الغليظ لأكل اللطيف أيضا للطافته . وكان بعضهم يقول لأصحابه ، لا تأكلوا الشهوات ، فإن أكلتموها فلا تطلبوها ، فإن طلبتموها فلا تحبوها . وطلب بعض أنواع الخبز شهوة . قال عبد الله بن عمر رحمة الله عليهما ، ما أتينا من العراق فاكهة أحب إلينا من الخبز . فرأى ذلك الخبز فاكهة وعلى الجملة ، لا سبيل إلى إهمال النفس في الشهوات المباحات ، واتباعها بكل حال . فبقدر ما يستوفى العبد من شهوته ، يخشى أن يقال له يوم القيامة أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها . وبقدر ما يجاهد نفسه ، ويترك شهوته ، يتمتع في الدار الآخرة بشهواته . قال بعض أهل البصرة ، نازعتني نفسي خبز أرز وسمكا فمنعتها ، فقويت مطالبتها ، واشتدت مجاهدتى لها عشرين سنة . فلما مات قال بعضهم رأيته في المنام ، فقلت ما ذا فعل الله بك ؟ قال لا أحسن أن أصف ما تلقاني به ربي من النعم والكرامات . وكان أول شيء استقبلني به خبز أرز وسمكا وقال كل اليوم شهوتك هنيئا بغير حساب . وقد قال تعالى * ( كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ في الأَيَّامِ الْخالِيَةِ ) * « 1 » وكانوا قد أسلفوا ترك الشهوات . ولذلك قال أبو سليمان ، ترك شهوة من الشهوات أنفع للقلب من صيام سنة وقيامها . وفقنا الله لما يرضيه بيان اختلاف حكم الجوع وفضيلته واختلاف أحوال الناس فيه اعلم أن المطلوب الأقصى في جميع الأمور والأخلاق الوسط . إذ خير الأمور أوساطها وكلا طرفي قصد الأمور ذميم . وما أوردناه في فضائل الجوع ربما يومئ إلى أن الإفراط
--> « 1 » الحاقة : 34