الغزالي

171

إحياء علوم الدين

ولا ممنوعة . فلما اشتراها وأتى بها إليه ، قال لنفسه قد خدعتينى حتى نظرت واشتهيت ، وغلبتينى حتى اشتريت . والله لا ذقتيه . فبعث بها إلى يتامى من الفقراء وعن موسى الأشج أنه قال ، نفسي تشتهي ملحا جريشا منذ عشرين سنة . وعن أحمد ابن خليفة قال ، نفسي تشتهي منذ عشرين سنة ، ما طلبت منى إلا الماء حتى تروى ، فما أرويتها . وروى أن عتبة الغلام اشتهى لحما سبع سنين . فلما كان بعد ذلك قال ، استحييت من نفسي أن أدافعها منذ سبع سنين سنة بعد سنة ، فاشتريت قطعة لحم على خبز ، وشويتها وتركتها على رغيف . فلقيت صبيا ، فقلت ألست أنت ابن فلان وقد مات أبوك ؟ قال بلى فناولته إياها . قالوا وأقبل يبكى ويقرأ * ( ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّه ِ مِسْكِيناً ويَتِيماً وأَسِيراً ) * « 1 » ثم لم يذقه بعد ذلك . ومكث يشتهي تمرا سنين ، فلما كان ذات يوم اشترى تمرا بقيراط ورفعه إلى الليل ليفطر عليه . قال فهبت ريح شديدة ، حتى أظلمت الدنيا . ففزع الناس . فأقبل عتبة على نفسه يقول ، هذا لجراءتى عليك وشرائى التمر بالقيراط . ثم قال لنفسه ، ما أظن أخذ الناس إلا بذنبك ، علىّ أن لا تذوقيه واشترى داود الطائي بنصف فلس بقلا ، وبفلس خلا . وأقبل ليلته كلها يقول لنفسه ويلك يا داود ، ما أطول حسابك يوم القيامة . ثم لم يأكل بعده إلا قفارا . وقال عتبة الغلام يوما لعبد الواحد بن زيد إن فلانا يصف من نفسه منزلة ما أعرفها من نفسي . فقال لأنك تأكل مع خبزك تمرا ، وهو لا يزيد على الخبز شيئا . قال فإن أنا تركت أكل التمر عرفت تلك المنزلة ؟ قال نعم وغيرها . فأخذ يبكى . فقال له بعض أصحابه لا أبكى الله عينك ، أعلى التمر تبكي ؟ فقال عبد الواحد دعه ، فإن نفسه قد عرفت صدق عزمه في الترك ، وهو إذا ترك شيئا لم يعاوده . وقال جعفر بن نصر ، أمرني الجنيد أن أشترى له التين الوزيري ، فلما اشتريته ، أخذ واحدة عند الفطور فوضعها في فمه ، ثم ألقاها وجعل يبكى ثم قال ، احمله فقلت له في ذلك . فقال هتف بي هاتف أما تستحي ، تركته من أجلى ثم تعود إليه وقال صالح المري ، قلت لعطاء السلمي ، إني متكلف لك شيئا ، فلا ترد علىّ كرامتي . فقال افعل ما تريد . قال فبعثت إليه مع ابني شربة من سويق ، قد لتته بسمن وعسل .

--> « 1 » الدهر : 8