الغزالي

163

إحياء علوم الدين

فينبغي أن يتدرج إليه قليلا قليلا . وذلك بأن ينقص قليلا قليلا من طعامه المعتاد . فإن كان يأكل رغيفين مثلا ، وأراد أن يرد نفسه إلى رغيف واحد ، فينقص كل يوم ربع سبع رغيف . وهو أن ينقص جزأ من ثمانية وعشرين جزأ ، أو جزأ من ثلاثين جزأ . فيرجع إلى رغيف في شهر ، ولا يستضر به ، ولا يظهر أثره . فإن شاء فعل في ذلك بالوزن ، وإن شاء بالمشاهدة . فيترك كل يوم مقدار لقمة ، وينقصه عما أكله بالأمس ثم هذا فيه أربع درجات ، أقصاها أن يرد نفسه إلى قدر القوام الذي لا يبقى دونه ، وهو عادة الصديقين ، وهو اختيار سهل التستري رحمة الله عليه ، إذ قال : إن الله استعبد الخلق بثلاث ، بالحياة ، والعقل ، والقوة . فإن خاف العبد على اثنين منها ، وهي الحياة والعقل ، أكل ، وأفطر إن كان صائما ، وتكلف الطلب إن كان فقيرا . وإن لم يخف عليهما بل على القوة ، قال فينبغي أن لا يبالي ، ولو ضعف حتى صلى قاعدا ، ورأى أن صلاته قاعدا مع ضعف الجوع ، أفضل من صلاته قائما مع كثرة الأكل . وسئل سهل عن بدايته وما كان يقتات به ، فقال كان قوتي في كل سنة ثلاثة دراهم كنت آخذ بدرهم دبسا ، وبدرهم دقيق الأرز ، وبدرهم سمنا ، وأخلط الجميع ، وأسوى منه ثلاثمائة وستين أكرة ، آخذ في كل ليلة أكرة أفطر عليها . فقيل له فالساعة كيف تأكل ؟ قال بغير حد ولا توقيت . ويحكى عن الرهابين أنهم قد يردون أنفسهم إلى مقدار درهم من الطعام الدرجة الثانية : أن يرد نفسه بالرياضة في اليوم والليلة إلى نصف مد ، وهو رغيف ، وشئ مما يكون الأربعة منه منا . ويشبه أن يكون هذا مقدار ثلث البطن في حق الأكثرين كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم . وهو فوق اللقيمات ، لأن هذه الصيغة في الجمع للقلة فهو لما دون العشرة . وقد كان ذلك عادة عمر رضي الله عنه ، إذ كان يأكل سبع لقم ، أو تسع لقم الدرجة الثالثة : أن يردها إلى مقدار المد ، وهو رغيفان ونصف . وهذا يزيد على ثلث البطن في حق الأكثرين ، ويكاد ينتهى إلى ثلثي البطن ، ويبقى ثلث للشراب ، ولا يبقى شيء للذكر . وفي بعض الألفاظ ، ثلث للذكر بدل قوله للنفس الدرجة الرابعة : أن يزيد على المد إلى المن . ويشبه أن يكون ما وراء المن إسرافا ، مخالفا