الغزالي

15

إحياء علوم الدين

أو أكثرها ، من غير اكتساب وتكلف ، بل بكشف إلهي في أسرع وقت . وبهذه السعادة يقرب العبد من الله تعالى قربا بالمعنى والحقيقة والصفة ، لا بالمكان والمسافة . ومراقى هذه الدرجات هي منازل السائرين إلى الله تعالى ، ولا حصر لتلك المنازل ، وإنما يعرف كل سالك منزله الذي بلغه في سلوكه ، فيعرفه ويعرف ما خلفه من المنازل . فأما ما بين يديه فلا يحيط بحقيقته علما ، لكن قد يصدق به إيمانا بالغيب ، كما أنا نؤمن بالنبوة والنبي ، ونصدق بوجوده ، ولكن لا يعرف حقيقة النبوة إلا النبي . وكما لا يعرف الجنين حال الطفل ، ولا الطفل حال المميز وما يفتح له من العلوم الضرورية ، ولا المميز حال العاقل وما اكتسبه من العلوم النظرية ، فكذلك لا يعرف العاقل ما افتتح الله على أوليائه وأنبيائه من مزايا لطفه ورحمته . ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها . وهذه الرحمة مبذولة بحكم الجود والكرم من الله سبحانه وتعالى ، غير مضنون بها على أحد ، ولكن إنما تظهر في القلوب المتعرضة لنفحات رحمة الله تعالى ، كما قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ لربّكم في أيّام دهركم لنفحات ألا فتعرّضوا لها » والتعرض لها بتطهير القلب وتزكيته من الخبث والكدورة الحاصلة من الأخلاق المذمومة كما سيأتي بيانه وإلى هذا الجود الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم « ينزل الله كلّ ليلة إلى سماء الدّنيا فيقول هل من داع فأستجيب له ؟ » وبقوله عليه الصلاة والسلام ، حكاية عن ربه [ 2 ] عز وجل « لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم أشدّ شوقا » وبقوله تعالى [ 3 ] « من تقرّب إلىّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا » كل ذلك إشارة إلى أن أنوار العلوم لم تحتجب عن القلوب لبخل ومنع من جهة المنعم تعالى عن البخل والمنع علوا كبيرا ، ولكن حجبت لخبث وكدورة وشغل من جهة القلوب فإن القلوب كالأوانى ، فما دامت ممتلئة بالماء لا يدخلها الهواء فالقلوب المشغولة بغير الله لا تدخلها المعرفة بجلال الله تعالى . وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم