الغزالي
156
إحياء علوم الدين
الفائدة الثالثة : الانكسار والذل ، وزوال البطر والفرح والأشر ، الذي هو مبدأ الطغيان والغفلة عن الله تعالى . فلا تنكسر النفس ولا تذل بشيء كما تذل بالجوع . فعنده تسكن لربها ، وتخشع له ، وتقف على عجزها وذلها ، إذ ضعفت منتها ، وضاقت حيلتها ، بلقيمة طعام فاتتها ، وأظلمت عليها الدنيا لشربة ماء تأخرت عنها . وما لم يشاهد الإنسان ذل نفسه وعجزه ، لا يرى عزة مولاه ولا قهره . وإنما سعادته في أن يكون دائما مشاهدا نفسه بعين الذل والعجز ، ومولاه بعين العز والقدرة والقهر . فليكن دائما جائعا ، مضطرا إلى مولاه ، مشاهدا للاضطرار بالذوق . ولأجل ذلك لما عرضت الدنيا وخزائنها على النبي صلى الله عليه وسلم [ 1 ] قال « لا بل أجوع يوما وأشبع يوما فإذا جعت صبرت وتضرّعت وإذا شبعت شكرت » أو كما قال فالبطن والفرج باب من أبواب النار ، وأصله الشبع . والذل والانكسار باب من أبواب الجنة ، وأصله الجوع . ومن أغلق بابا من أبواب النار ، فقد فتح بابا من أبواب الجنة بالضرورة لأنهما متقابلان ، كالمشرق والمغرب ، فالقرب من أحدهما بعد من الآخر الفائدة الرابعة : أن لا ينسى بلاء الله وعذابه ، ولا ينسى أهل البلاء . فإن الشبعان ينسى الجائع ، وينسى الجوع والعبد الفطن لا يشاهد بلاء من غيره إلَّا ويتذكر بلاء الآخرة ، فيذكر من عطشه عطش الخلق في عرصات القيامة ، ومن جوعه جوع أهل النار ، حتى أنهم ليجوعون فيطعمون الضريع والزقوم ، ويسقون الغساق والمهل . فلا ينبغي أن يغيب عن العبد عذاب الآخرة وآلامها ، فإنه هو الذي يهيج الخوف . فمن لم يكن في ذلة ، ولا علة ، ولا قلة ، ولا بلاء نسي عذاب الآخرة ، ولم يتمثل في نفسه ، ولم يغلب على قلبه . فينبغي أن يكون العبد في مقاساة بلاء ، أو مشاهدة بلاء . وأولى ما يقاسيه من البلاء الجوع . فإن فيه فوائد جمة ، سوى تذكر عذاب الآخرة . وهذا أحد الأسباب الذي اقتضى اختصاص البلاء بالأنبياء والأولياء والأمثل فالأمثل . ولذلك قيل ليوسف عليه السلام ، لم تجوع وفي يديك خزائن الأرض ؟ فقال أخاف أن أشبع فأنسى الجائع . فذكر الجائعين والمحتاجين إحدى فوائد الجوع .