الغزالي
151
إحياء علوم الدين
لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقويك ويمنعك من الجوع ؟ فيقول « يا عائشة إخواني من أولى العزم من الرّسل قد صبروا على ما هو أشدّ من هذا فمضوا على حالهم فقدموا على ربّهم فأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم فأجدني استحى إن ترفّهت في معيشتى أن يقصر بي غدا دونهم فالصّبر أيّاما يسيرة أحبّ إلىّ من أن ينقص حظَّى غدا في الآخرة وما من شيء أحبّ إلىّ من اللَّحوق بأصحابي وإخواني » قالت عائشة ، فوالله ما استكمل بعد ذلك جمعة ، حتى قبضه الله إليه . وعن أنس قال ، [ 1 ] جاءت فاطمة رضوان الله عليها بكسرة خبز إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال « ما هذه الكسرة ؟ » قالت قرص خبزته ، ولم تطب نفسي حتى أتيتك منه بهذه الكسرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أما إنّه أوّل طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيّام » وقال أبو هريرة [ 2 ] ما أشبع النبي صلى الله عليه وسلم أهله ثلاثة أيام تباعا من خبز الحنطة حتى فارق الدنيا وقال صلى الله عليه وسلم [ 3 ] « إنّ أهل الجوع في الدّنيا هم أهل الشّبع في الآخرة وإنّ أبغض النّاس إلى الله المتخمون الملأى وما ترك عبد أكلة يشتهيها إلَّا كانت له درجة في الجنّة » وأما الآثار ، فقد قال عمر رضي الله عنه ، إياكم والبطنة ، فإنها ثقل في الحياة ، نتن في الممات . وقال شقيق البلخي ، العبادة حرفة ، حانوتها الخلوة ، وآلتها المجاعة . وقال لقمان لابنه ، يا بني ، إذا امتلأت المعدة ، نامت الفكرة ، وخرست الحكمة ، وقعدت الأعضاء عن العبادة وكان الفضيل بن عياض يقول لنفسه ، أي شيء تخافين ؟ أتخافين أن تجوعى ؟ لا تخافي ذلك ؟ أنت أهون على الله من ذلك ، إنما يجوع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه .