الغزالي
130
إحياء علوم الدين
بيان الطريق في رياضة الصبيان في أول نشوهم ووجه تأديبهم وتحسين أخلاقهم اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها . والصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة ، خالية عن كل نقش وصورة . وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يمال به إليه . فإن عود الخير وعلمه ، نشأ عليه ، وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب . وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم ، شقي وهلك ، وكان الوزر في رقبة القيم عليه ، والوالي له . وقد قال الله عز وجل : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وأَهْلِيكُمْ ناراً ) * « 1 » ومهما كان الأدب يصونه عن نار الدنيا ، فبأن يصونه عن نار الآخرة أولى . وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ، ويعلمه محاسن الأخلاق ، ويحفظه من القرناء السوء ، ولا يعوده التنعم ، ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاهية ، فيضيع عمره في طلبها إذا كبر ، فيهلك هلاك الأبد . بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره ، فلا يستعمل في حضانته وإرضاعه إلا امرأة صالحة متدينة ، تأكل الحلال ، فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه ، فإذا وقع عليه نشو الصبي انعجنت طينته من الخبث ، فيميل طبعه إلى ما يناسب الخبائث . ومهما رأى فيه مخايل التمييز ، فينبغي أن يحسن مراقبته . وأول ذلك ظهور أوائل الحياء فإنه إذا كان يحتشم ويستحى ، ويترك بعض الأفعال ، فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه حتى يرى بعض الأشياء قبيحا ومخالفا للبعض . فصار يستحى من شيء دون شيء . وهذه هدية من الله تعالى إليه ، وبشارة تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب ، وهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ . فالصبي المستحى لا ينبغي أن يهمل . بل يستعان على تأديبه بحيائه أو تمييزه وأول ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام . فينبغي أن يؤدب فيه ، مثل أن لا يأخذ الطعام إلا بيمينه ، وأن يقول عليه بسم الله عند أخذه ، وأن يأكل مما يليه ، وأن لا يبادر إلى الطعام قبل غيره ، وأن لا يحدق النظر إليه ولا إلى من يأكل ، وأن لا يسرع في الأكل
--> « 1 » التحريم : 6