الغزالي
127
إحياء علوم الدين
خلق غيره ، دل ذلك على سوء خلقه . فإن حسن الخلق احتمال الأذى . فقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] ، كان يوما يمشى ومعه أنس . فأدركه أعرابي ، فجذبه جذبا شديدا وكان عليه برد نجراني غليظ الحاشية . قال أنس رضي الله عنه ، حتى نظرت إلى عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت فيه حاشية البرد من شدة جذبه . فقال يا محمد ، هب لي من مال الله الذي عندك . فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحك ، ثم أمر بإعطائه ولما أكثرت قريش إيذاءه وضربه ، قال ، [ 2 ] « اللَّهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون » قيل إن هذا يوم أحد . فلذلك أنزل الله تعالى فيه * ( وإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) * « 1 » ويحكى أن إبراهيم بن أدهم ، خرج يوما إلى بعض البراري ، فاستقبله رجل جندي ، فقال أنت عبد ؟ قال نعم . فقال له أين العمران ؟ فأشار إلى المقبرة . فقال الجندي ، إنما أردت العمران ، فقال هو المقبرة . فغاظه ذلك ، فضرب رأسه بالسوط فشجه ، ورده إلى البلد ، فاستقبله أصحابه ، فقالوا ما الخبر ؟ فأخبرهم الجندي ما قال له . فقالوا هذا إبراهيم بن أدهم . فنزل الجندي عن فرسه ، وقبل يديه ورجليه ، وجعل يعتذر إليه . فقيل بعد ذلك له ، لم قلت له أنا عبد ؟ فقال إنه لم يسألني عبد من أنت ؟ بل قال أنت عبد ؟ فقلت نعم ، لأني عبد الله فلما ضرب رأسي سألت الله له الجنة . قيل كيف وقد ظلمك ؟ فقال علمت أنني أوجر على ما نالني منه ، فلم أرد أن يكون نصيبي منه الخير ، ونصيبه منى الشر ودعي أبو عثمان الحيري إلى دعوة ، وكان الداعي قد أراد تجربته . فلما بلغ منزله ، قال له ليس لي وجه . فرجع أبو عثمان . فلما ذهب غير بعيد ، دعاه ثانيا ، فقال له يا أستاذ ارجع ، فرجع أبو عثمان ، ثم دعاه الثالثة ، وقال ارجع على ما يوجب الوقت ، فرجع . فلما بلغ الباب ، قال له مثل مقالته الأولى ، فرجع أبو عثمان ثم جاءه الرابعة ، فرده ، حتى عامله بذلك مرات ، وأبو عثمان لا يتغير من ذلك . فأكب على
--> « 1 » ن : 4