الغزالي
122
إحياء علوم الدين
وقد قال إبراهيم الخواص ، كنت مرة في جبل اللكام ، فرأيت رمانا ، فاشتهيته ، فأخذت منه واحدة ، فشققتها ، فوجدتها حامضة . فمضيت وتركتها . فرأيت رجلا مطروحا وقد اجتمعت عليه الزنابير . فقلت السلام عليك : فقال وعليك السلام يا إبراهيم . فقلت كيف عرفتني ؟ فقال من عرف الله عز وجل لم يخف عليه شيء . فقلت أرى لك حالا مع الله عز وجل ، فلو سألته أن يحميك من هذه الزنابير ؟ فقال وأرى لك حالا مع الله تعالى فلو سألته أن يحميك من شهوة الرمان ؟ فإن لدغ الرمان يجد الإنسان ألمه في الآخرة ، ولدغ الزنابير يجد ألمه في الدنيا . فتركته ومضيت وقال السري ، أنا منذ أربعين سنة ، تطالبنى نفسي أن أغمس خبزة في دبس [ 1 ] ، فما أطعمتها فإذا لا يمكن إصلاح القلب لسلوك طريق الآخرة ، ما لم يمنع نفسه عن التنعم بالمباح فإن النفس إذا لم تمنع بعض المباحات ، طمعت في المحظورات . فمن أراد حفظ لسانه عن الغيبة والفضول ، فحقه أن يلزمه السكوت إلا عن ذكر الله وإلا عن المهمات في الدين ، حتى تموت منه شهوة الكلام . فلا يتكلم إلا بحق . فيكون سكوته عبادة ، وكلامه عبادة ومهما اعتادت العين رمي البصر إلى كل شيء جميل ، لم تتحفظ عن النظر إلى ما لا يحل وكذلك سائر الشهوات . لأن الذي يشتهي به الحلال ، هو بعينه الذي يشتهي الحرام . فالشهوة واحدة . وقد وجب على العبد منعها من الحرام . فإن لم يعودها الاقتصار على قدر الضرورة من الشهوات غلبته . فهذه إحدى آفات المباحات ، ووراءها آفات عظيمة أعظم من هذه ، وهو أن النفس تفرح بالتنعم في الدنيا وتركن إليها ، وتطمئن إليها أشرا وبطرا حتى تصير ثملة ، كالسكران الذي لا يفيق من سكره ، وذلك الفرح بالدنيا سم قاتل ، يسرى في العروق فيخرج من القلب الخوف والحزن ، وذكر الموت ، وأهوال يوم القيامة ، وهذا هو موت القلب ، قال الله تعالى : * ( ورَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأَنُّوا بِها ) * « 1 » وقال تعالى : * ( وما الْحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ ) * « 2 » وقال تعالى : * ( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وتَكاثُرٌ في الأَمْوالِ والأَوْلادِ ) * « 3 » الآية وكل ذلك ذم لها فنسأل الله السلامة ، فأولو الحزم من أرباب القلوب ، جربوا قلوبهم في حال الفرح بمؤاتاة
--> « 1 » يونس : 7 « 2 » الرعد : 26 « 3 » الحديد : 20