الغزالي

11

إحياء علوم الدين

وهو الجند الحافظ ، ثم يتفكر فيما حفظه فيركب بعض ذلك إلى البعض ، ثم يتذكر ما قد نسيه ويعود إليه ثم يجمع جملة معاني المحسوسات في خياله بالحس المشترك بين المحسوسات ففي الباطن حس مشترك ، وتخيل وتفكر ، وتذكر وحفظ . ولولا خلق الله قوة الحفظ والفكر ، والذكر والتخيل ، لكان الدماغ يخلو عنه ، كما تخلو اليد والرجل عنه . فتلك القوى أيضا جنود باطنة ، وأماكنها أيضا باطنة فهذه هي أقسام جنود القلب . وشرح ذلك بحيث يدركه فهم الضعفاء بضرب الأمثلة يطول . ومقصود مثل هذا الكتاب أن ينتفع به الأقوياء ، والفحول من العلماء ، ولكنا نجتهد في تفهيم الضعفاء بضرب الأمثلة ، ليقرب ذلك من أفهامهم بيان أمثلة القلب مع جنوده الباطنة اعلم أن جندي الغضب والشهوة قد ينقادان للقلب انقيادا تاما ، فيعينه ذلك على طريقه الذي يسلكه ، وتحسن مرافقتهما في السفر الذي هو بصدده : وقد يستعصيان عليه استعصاء بغي وتمرد ، حتى يملكاه ويستعبداه ، وفيه هلاكه ، وانقطاعه عن سفره الذي به وصوله إلى سعادة الأبد . وللقلب جند آخر ، وهو العلم والحكمة والتفكر كما سيأتي شرحه ، وحقه أن يستعين بهذا الجند ، فإنه حزب الله تعالى على الجندين الآخرين ، فإنهما قد يلتحقان بحزب الشيطان . فإن ترك الاستعانة ، وسلط على نفسه جند الغضب والشهوة ، هلك يقينا ، وخسر خسرانا مبينا . وذلك حالة أكثر الخلق ، فإن عقولهم صارت مسخرة لشهواتهم في استنباط الحيل لقضاء الشهوة ، وكان ينبغي أن تكون الشهوة مسخرة لعقولهم ، فيما يفتقر العقل إليه . ونحن نقرب ذلك إلى فهمك بثلاثة أمثلة المثال الأول : أن نقول ، مثل نفس الإنسان في بدنه ، أعنى بالنفس اللطيفة المذكورة كمثل ملك في مدينته ومملكته . فإن البدن مملكة النفس وعالمها ومستقرها ومدينتها ، وجوارحها وقواها بمنزلة الصناع والعملة ، والقوة العقلية المفكرة له كالمشير الناصح ، والوزير العاقل والشهوة له كالعبد السوء يجلب الطعام والميرة إلى المدينة ، والغضب والحمية له كصاحب